ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﰿ

قوله تعالى : يَحْذَرُ المنافقون الآية.
قال قتادة " هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم١ " قال ابن عباسٍ :" أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً ؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين " ٢.
وقال الجبائيُّ :" اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عليه الصلاة والسلام :" إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ " فلم يقوموا، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك " قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ " حتى أتى عليهم ثم قالوا : نعترف ونستغفر فقال :" الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي " فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّة " ٣.
وقال الأصمُّ : إنَّ " عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به ؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال :" مَنْ عرفت من القوْمِ " ؟ فقال : لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أسماءهم وعدهم له، وقال :" إنَّ جبريل أخبرني بذلك " فقال حذيفة : ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال :" أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة " ٤.
فإن قيل : الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؟ فالجوابُ، من وجوه :
أحدها : قال أبُو مسلم :" هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره، ويدلُّ على ذلك قوله : استَهْزئُوا ".
وثانيها : أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم.
وثالثها : قال الأصمُّ : إنَّهم كانوا يعرفونه كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً.
ورابعها : معنى الحذر الأمر بالحذر، أي : ليحذر المنافقون ذلك.
وخامسها : أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم.
قوله :" أَن تُنَزَّلَ " مفعولٌ به، ناصبه " يَحْذَرُ "، فإنَّ " يَحْذَرُ " متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى : وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ [ آل عمران : ٢٨ ]، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً ؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه :[ الكامل ]

حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ٥
وفي البيت كلامٌ، قيل : إنه مصنوع. وقال المبردُ : إنَّ " حَذِر " لا يتعدَّى، قال : لأنَّهُ من هيئات النفس، ك " فَزع ". وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ ك :" خاف "، وخشي، فإنَّ " تُنَزَّل " عند المبرد على إسقاط الخافض أي : مِنْ أن تُنَزَّل.
وقوله :" تُنَبِّئُهُمْ " في موضع الرفع صفةً ل " سورة ".
قال الزمخشريُّ " الضميرُ في قوله " عليهم " و " تنبّئهم " للمؤمنين، و " في قُلُوبهمْ " للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين ؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى " تُنبِّئُهم بما في قلوبهم " أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها ".
ثم قال : قُلِ استهزءوا هذا أمر تهديد، إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ .
١ ؟؟؟؟؟.
٢ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٧)..
٣ ذكره الرازي في تفسيره (١٦/٩٦)..
٤ أخرجه مسلم (٤/٢١٤٣-٢١٤٤) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (١٠، ١١/٢٧٧٨) بمعناه..
٥ تقدم..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية