ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﰿ

بُعْدِ قَعْرِهَا أَنَّهُ لَا آخِرَ لِعَذَابِهَا، وَالْخَالِدُ: الدَّائِمُ، وَالْخِزْيُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّدَمِ وَبِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ، وَالنَّدَمُ هُنَا أَوْلَى. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ [يونس: ٥٤].
[سورة التوبة (٩) : آيَةٌ ٦٤]
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ كانوا يسمون سورة براءة، الحافرة حَفَرَتْ عَمَّا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ
قَالَ الْحَسَنُ: اجْتَمَعَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى أَمْرٍ مِنَ النِّفَاقِ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَسْمَائِهِمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ أُنَاسًا اجْتَمَعُوا عَلَى كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلْيَقُومُوا وَلِيَعْتَرِفُوا وَلِيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ حَتَّى أَشْفَعَ لَهُمْ» فَلَمْ يَقُومُوا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ: «قُمْ يَا فُلَانُ وَيَا فُلَانُ» حَتَّى أَتَى عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالُوا: نَعْتَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ فَقَالَ: «الْآنَ أَنَا كُنْتُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَطْيَبَ نَفْسًا بِالشَّفَاعَةِ، وَاللَّهُ كَانَ أَسْرَعَ فِي الْإِجَابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي اخْرُجُوا عَنِّي» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ حَتَّى خَرَجُوا بِالْكُلِّيَّةِ،
وَقَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّ عِنْدَ رُجُوعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ تَبُوكَ وَقَفَ لَهُ عَلَى الْعَقَبَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا لِيَفْتِكُوا بِهِ فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ، وَكَانُوا مُتَلَثِّمِينَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، فَأَمَرَ حُذَيْفَةَ بِذَلِكَ فَضَرَبَهَا حَتَّى نَحَّاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ عَرَفْتَ مِنَ الْقَوْمِ» فَقَالَ: / لَمْ أَعْرِفْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاءَهُمْ وَعَدَّهُمْ لَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ» فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَلَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقَالَ: «أَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ قَاتَلَ مُحَمَّدٌ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا ظَفِرَ صَارَ يَقْتُلُهُمْ بَلْ يَكْفِينَا اللَّهُ ذَلِكَ».
فَإِنْ قِيلَ: الْمُنَافِقُ كَافِرٌ فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الْوَحْيِ عَلَى الرَّسُولِ؟
قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: هَذَا حَذَرٌ أَظْهَرَهُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ حِينَ رَأَوُا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ عَنِ الْوَحْيِ، وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، وفي قوله: اسْتَهْزِؤُا دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ إِلَّا أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يُضْمِرُونَهُ وَيَكْتُمُونَهُ، فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وَقَعَ الْحَذَرُ وَالْخَوْفُ فِي قُلُوبِهِمْ. الثَّالِثُ: قَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صَادِقًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَعِنَادًا. قَالَ الْقَاضِي: يَبْعُدُ فِي الْعَالِمِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصِحَّةِ دِينِهِ أَنْ يَكُونَ مُحَادًّا لَهُمَا. قَالَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ: هَذَا غَيْرُ بَعِيدٍ لِأَنَّ الْحَسَدَ إِذَا قَوِيَ فِي الْقَلْبِ صَارَ بِحَيْثُ يُنَازِعُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، الرَّابِعُ: مَعْنَى الْحَذَرِ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ، أَيْ لِيَحْذَرِ الْمُنَافِقُونَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ كَانُوا شَاكِّينَ فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَمَا كَانُوا قَاطِعِينَ بِفَسَادِهَا. وَالشَّاكُّ خَائِفٌ، فَلِهَذَا السَّبَبِ خَافُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِمْ مَا يَفْضَحُهُمْ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الضَّمِيرُ في قوله: عَلَيْهِمْ وتُنَبِّئُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمْ لِلْمُنَافِقِينَ وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّ السُّورَةَ إِذَا نَزَلَتْ فِي مَعْنَاهُمْ فَهِيَ نَازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ السُّورَةَ كَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ كَيْتَ وَكَيْتَ، يَعْنِي أَنَّهَا تُذِيعُ أَسْرَارَهُمْ إِذَاعَةً ظَاهِرَةً فكأنها تخبرهم.
ثم قال: قُلِ اسْتَهْزِؤُا وَهُوَ أَمْرُ تَهْدِيدٍ كَقَوْلِهِ: وَقُلِ اعْمَلُوا [التَّوْبَةِ: ١٠٥] إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما

صفحة رقم 93

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية