ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

قوله : لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ .
نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول : أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من : تعذرت المنازل، أي : دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها ؛ قال ابن أحمر :[ البسيط ]

قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ(١)
فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ.
والثاني : قال ابنُ الأعرابي : أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة ؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ.
ويقولون : اعتذرت المياه، أي : انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله : قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً ؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة.
فإن قيل : كيف قال كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وهم لم يكونوا مؤمنين ؟
فالجواب : قال الحسنُ : أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان(٢).

فصل


قال ابنُ العربي :" لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين [ البقرة : ٦٧ ].

فصل


اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل : يلزم وقيل : لا يلزم، وقيل : يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ " (٣)
قال الترمذيُّ " حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ".
قال القرطبي :" وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق " (٤).
قوله :". . . إن نَعْفُ " قرأ عاصم(٥) " نَعْفُ " بنون العظمة، " نعذِّب " كذلك، " طَائفَة " نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد(٦) الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون " يُعْفَ " في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع " طَائفةٌ "، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ(٧) " إن يَعْفُ " بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب " طائفة " على المفعول به. وقرأ(٨) مجاهدٌ " تُعْف " بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع " طائفة "، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان :
أحدهما : أنَّهُ ضمير الذنوب، أي : إن تُعْفَ هذه الذنوب.
والثاني : أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى.
قال الزمخشريُّ " الوجه التذكير ؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول : سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول : سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل : إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ ".

فصل


قال مجاهدٌ : وابن إسحاق : الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال : اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ : أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه(٩).

فصل


ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة ؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ : والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة ؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين [ النور : ٢ ]. وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال : الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا (١٠) [ الحجر : ٩ ].
قال ابن الأنباري : العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ : خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى : الذين قَالَ لَهُمُ الناس [ آل عمران : ١٧٣ ] يعني : نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم : بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ .
١ ينظر: شرح المفضليات ١/٤٠٨، واللسان (عذر)، والتهذيب ٢/٣١١ (عذر) والقرطبي ٨/١٩٨، والبحر المحيط ٥/٦٣، والعمدة لابن رشيق ٢/١٨٠، والدر المصون ٣/٤٨٠..
٢ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٦/٩٩) عن الحسن..
٣ تقدم..
٤ تقدم..
٥ ينظر: السبعة ص (٣١٦)، الحجة ٤/٢٠٥، حجة القراءات ص (٣٢٠)، إعراب القراءات ١/٢٥١، إتحاف فضلاء البشر ٢/٩٥..
٦ ينظر: السابق..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٢٨٧، المحرر الوجيز ٣/٥٥، البحر المحيط ٥/٦٨، الدر المصون ٣/٤٨١..
٨ ينظر: السابق..
٩ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٨)..
١٠ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٦/١٠٠)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية