ولا تعتذروا هذا الاعتذار البارد الكاذب، ليس مقبولا منكم حتى تتوبوا توبة نصوحا قد كفرتم بعد إيمنكم أي : بعد إظهاركم الإيمان وإعلانكم إياه.
ثم قال : إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة [ التوبة : آية ٦٦ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة، غير عاصم وحده : إن يعف عن طائفة منكم تعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين بقوله : يعف بالياء وبناء الفعل للمفعول، و تعذب طائفة بالتاء، وضم طائفة على أنه نائب الفاعل، وقرأ عاصم وحده من السبعة : إن نعف عن طائفة منكم تعذب طائفة (١) بنون العظمة ونصب طائفة الثانية. وفي نظم ابن المرحل (٢) :
لعاصم قراءة لغيرها مخالفة
إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة
فهذه قراءة عاصم وحده، برواية حفص وشعبة عنه معا.
وهذا معنى قوله : لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم إن نعف عن طائفة منكم .
قال بعض العلماء (٣) : هذا العفو نزل في [ مخشي بن الحمير ] لأنه كان من الذين خاضوا في الاستهزاء. قال بعض العلماء (٤) : كانوا ثلاثة نفر اثنان استهزؤوا وواحد ضحك لهما من كلامهما، ثم إن الثالث الذي هو مخشي بن الحمير ( رضي الله عنه ) تاب إلى الله، وحسن إسلامه، وعفى الله عنه، وأنزل الله فيه : إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة .
وقال غير واحد إن مخشيا ( رضي الله عنه ) تاب من نفاقه، وحسن إسلامه، وأناب إلى الله، ودعا الله أن يموت شهيدا، وأن لا يطلع أحد على قبره، وقال من قال هذا : قتل باليمامة شهيدا. ولم يطلع عليه أحد، ولم يعثر عليه ( رضي الله عنه )، هكذا قال بعضهم(٥).
إن نعف عن طائفة منكم تابت إلى الله وأنابت إليه ورجعت عن النفاق إلى الإيمان الخالص والتوبة النصوح نعذب طائفة أخرى لم يتوبوا بل كانوا مصرين على النفاق والاستهزاء بالله وآياته ورسوله بسبب أنهم كانوا مجرمين مرتكبين الجريمة، وهي الإصرار على الكفر والنفاق من غير إقلاع ولا توبة عنه، والمجرمون (٦) جمع المجرم، والمجرم مرتكب الجريمة، والجريمة هي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال العظيم و ( مجرمون ) هنا اسم فاعل ( أجرم ) بصيغة ( أفعل ) بالهمزة التي صار بها رباعيا، ويستعمل هذا الفعل استعمالين : أجرم رباعيا بصيغة ( أفعل ) وجرم ثلاثيا مجردا. وما جاء مستعملا في القرآن إلا بصيغة الرباعي فقط ( مجرمون ). إن الذين أجرموا [ المطففين : آية ٢٩ ] ولم يأت بصيغة الثلاثي المجرد في القرن ولكنه جاء بذلك في لغة العرب، ومن ذلك قول الشاعر :
وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارم (٧)
لأن المجروم اسم مفعول جرمه الثلاثي المجرد بلا نزاع، وهذا معنى قوله : إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين .
٢ السابق..
٣ أخرجه ابن جرير(١٤/ ٣٣٦) عن ابن إسحاق مرسلا. وقد أخرج ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٣١) كما أورد السيوطي في الدر (٣/ ٢٥٤) شاهدا له عن كعب بن مالك (رضي الله عنه). وعزاه لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. وأورده أيضا عن ابن عباس وعزاه لابن مردويه..
٤ انظر: القرطبي (٨/ ١٩٩)..
٥ جاء ذلك في أثر كعب بن مالك وابن عباس اللذين أشرنا إليهما قريبا..
٦ مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام..
٧ تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير