ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

قال الله تعالى :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : ٧٩ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٦٨ ] من تصدق بصدقة، ولم يبق لنفسه وعياله شيئا، فهل تنفذ صدقته ؟
يرى ابن حزم رحمه الله تعالى أنه :
( ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده غنى فسخ كله. برهان ذلك :
ما رويناه من طريق مسلم، نا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن أبي مالك الأشجعي(١)، عن حذيفة قال : قال نبيكم صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة " (٢).
ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن سواد، عن أبن وهب، أنا يونس، عن ابن شهاب، نا سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول " (٣)...
فإذا، كل معروف صدقة، وأفضل الصدقة وخيرها : ما كان عن ظهر غنى، فبلا شك وبالضرورة : أن ما زاد في الصدقة ونقص من الخير والأفضل، فلا أجر فيه، ولا خير فيه، ولا فضل فيه، وأنه باطل. وإذا كان باطلا، فهو أكل مال بالباطل. فهذا محرم بنص القرآن.
ومن طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تصدقوا " فقال رجل : يا رسول الله عندي دينار ؟ قال : " صدق به على نفسك ". قال : عندي آخر ؟ قال : " تصدق به على زوجتك ". قال : عندي آخر ؟ قال : " تصدق به على ولدك ". قال : عندي آخر ؟ قال : " تصدق به على خادمك ". قال : عندي آخر ؟ قال : " أنت أبصر به " (٤).
ومن طريق مسلم : نا قتيبة بن سعيد، نا الليث هو ابن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال : أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألك مال غيره " ؟ قال : لا، قال : " من يشتريه مني " ؟ فاشتراه نعيم ابن عبد الله بن النحام بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا " (٥).
ومن طريق مسلم : نا أبو الطاهر هو أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، سمعت أبي يقول : فذكر الحديث في تخلفه عن تبوك، قال : قلت : يا رسول الله : إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر(٦).
حدثنا حمام، نا عباس بن أصبغ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا بكر ابن حماد، نا مسدد، نا حماد هو ابن زيد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال : يا رسول الله هذه صدقة ما تركت لي مالا غيرها، فحذفه بها النبي صلى الله عليه وسلم فلو أصابه لأوجعه، ثم قال :( ينطلق أحدكم فينخلع من ماله ثم يصير عيالا على الناس )(٧).
وحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق، نا ابن الأعرابي، نا إسحاق ابن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : دخل رجل المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا ثيابا، فطرحوا، فأمر له بثوبين، ثم حث عليه السلام على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين، فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ ثوبك " (٨).
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رد العتق، والتدبير، والصدقة بمثل البيضة من الذهب، وصدقة كعب بن مالك بماله كله، ولم يجز من ذلك شيئا.
ويبين ذلك أيضا : قوله عليه الصلاة والسلام : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " (٩).
ومن طريق النظر : أن كل عقد جمع حراما وحلالا فهو عقد مفسوخ كله ؛ لأنه لم ينعقد كما أمر الله تعالى، ولا تميز حلاله من حرامه، فهو عقد لم يكن قط صحيحا عمله. وهذه آثار متواترة متظاهرة في غاية الصحة والبيان لا يحل لأحد خلافها من طريق أبي هريرة، وجابر، وحكيم بن حزام، وكعب بن مالك، وأبي سعيد. وروينا أيضا معناها عن طارق المحاربي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا(١٠).
ومن البرهان على صحة ذلك : من القرآن قول الله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا [ الإسراء : ٢٩ ].
وقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [ الأنعام : ١٤١ ].
وقوله تعالى : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين [ الإسراء : ٢٦-٢٧ ].
قال علي : والغني هو ما يقوم بقوت المرء وأهله على الشبع من قوت مثله، وبكسوتهم كذلك وسكناهم، وبمثل حال من مركب وزي فقط. وبالله تعالى التوفيق. فهذا يقع عليه في اللغة اسم غنى، لاستغنائه عن الناس، فما زاد فهو وقر ودثر ويسار، وفضل إلى الإكثار، وما نقص فليس غنى، ولكنه حاجة وعسرة وضيقة، إلا أن ينزل إلى المسكنة، والفاقة، والفقر، والإدقاع، والضرورة. ونعوذ بالله من ذلك، ومن فتنة الغنى والمال )(١١).

١ في سند مسلم ههنا : ربعي بن حراش عن حذيفة..
٢ رجال الإسناد:
قتيبة بن سعيد بن جميل، بفتح الجيم، ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، بفتح الموحدة، وسكون المعجمة، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربعين، عن تسعين سنة. (التقريب) [٥٥٥٧].
أبو عوانة: وضاح، بتشديد المعجمة ثم المهملة ابن عبد الله اليشكري، بالمعجمة، الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس، أو ست وسبعين (التقريب) [٧٤٥٧].
أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق الكوفي، ثقة من الرابعة، مات في حدود الأربعين. (التقريب) [٢٢٥٣].
ربعي بن حراش، بكسر المهملة وآخره معجمة، أبو مريم العبسي، الكوفي، ثقة عابد، مخضرم، من الثانية، مات سنة مائة وقيل غير ذلك. (التقريب) [١٨٨٩].
تخريجه:
أخرجه مسلم (١٠٠٥) في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف..

٣ رجال الإسناد:
عمرو بن سواد، بتشديد الواو، ابن الأسود بن عمرو العامري، أبو محمد البصري، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة خمس وأربعين. (التقريب) [٥٠٨١]،
يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين على الصحيح، وقيل سنة ستين. (التقريب) [٧٩٧٦].
تخريجه:
أخرجه البخاري (١٤٢٦)، في (كتاب الزكاة): باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، والنسائي (٢٥٤٥) في (كتاب الزكاة): باب أي الصدقة أفضل. وأحمد (٢/٤٧٦).
وأما حديث كليم بن حزام:
فقد أخرجه البخاري (١٤٢٧) في (كتاب الزكاة): باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومسلم (١٠٣٤)، (كتاب الزكاة): باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى..

٤ رجال الإٍسناد:
محمد بن عجلان المدني، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أيي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين. (التقريب) [٦١٧٦].
تخريجه:
أخرجه أحمد (٢/٢٥١)، والنسائي (٢٥٣٦) في (كتاب الزكاة): باب الصدقة عن ظهر غنى – تفسير ذلك، وأبو داود (١٦٩١) في (كتاب الزكاة): باب في صلة الرحم (والحميدي (٢/٤٩٥) وابن حبان (٨/١٢٦-١٢٧)، والحاكم (١/٤١٥)، والبيهقي (٧/٤٦٦)، والبغوي (٦/١٩٥). جميعهم من طريق:
محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.
وإسناده حسن – إن شاء الله تعالى – من أجل محمد بن عجلان فإنه صدوق، وقد صححه الحاكم..

٥ رجال الإسناد :
أبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس، بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراس الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومائة. (التقريب) [٦٣٣١].
تخريجه: أخرجه مسلم (٩٩٧) في كتاب الزكاة: باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة، وأبو داود (٣٩٥٧) في (كتاب العتق: باب بيع المدير، والنسائي (٢٥٤٧) في (كتاب الزكاة: باب أي الصدقة أفضل). وأصله عند البخاري (٢١٤١) في (كتاب البيع: باب المزايدة، وابن ماجة (٢٥١٣) في (كتاب العتق: باب المدبر..

٦ رجال الإسناد:
عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في خلافة سليمان. (التقريب) [٤٠١٧).
تخريجه: أخرجه البخاري (٤٤١٨) في كتاب المغازي: باب حديث كعب بن مالك، و(مسلم) (٢٧٦٩): كتاب التوبة: باب حديث كعب بن مالك وصاحبيه)..

٧ رجال الإسناد :
حماد هو ابن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، قيل: إنه كان ضريرا، ولعله طرأ عليه، لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة. (التقريب) [١٥٠٦].
عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي، الأنصاري الظفري، أبو عمر المدني، ثقة، عالم بالمغازي، من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة. (التقريب) [٣٠٨٨].
محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأوسي، الأشهلي، أبو نعيم المدني، صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين، وقيل: سنة سبع، وله تسع وتسعون سنة. (التقريب) [٦٥٦٠].
تخريجه: أخرجه أبو داود (١٦٧٣، ١٦٧٤)، في (كتاب الزكاة): باب الرجل يخرج من ماله، والدارمي (١/٤٧٩)، والحاكم (١/٤١٣)، والبيهقي (٤/١٨١)، وأبو يعلى (٤/٦٥-٦٦)، وابن حبان (٨/١٦٥-١٦٦) من طريق:
محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر به.
وهذا إسناد رجال ثقات، لكن محمد مدلس، وقد عنعن..

٨ رجال الإسناد:
عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة، القرشي، العامري، المكي، ثقة من الثالثة، مات على رأس المائة. (التقريب) [٥٣١٢].
تخريجه: أخرجه الحاكم (١/٤١٣)، وأبو يعلى (٢/٢٧٩-٢٨٠)، وابن حبان (٦/٢٥٠-٢٥١) والنسائي (٢٥٣٧) في كتاب الزكاة: باب إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه. وأحمد (٣/٢٥)، والحميدي (٢/٣٢٦-٣٢٧)، وأبو داود (١٦٧٥) في كتاب الزكاة: باب الرجل يخرج من ماله، والترمذي (٥١١) في كتاب الجمعة: باب ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب، وابن خزيمة (٣/١٥٠). من طريق:
محمد بن عجلان، ثنا عياض بن عبد الله بن سعد، أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: (فذكره).
وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عجلان فهو صدوق. وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. لكن مسلما لم يخرج لمحمد بن عجلان في الأصول..

٩ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (١٧١٨) في كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، من حديث عائشة، وأخرجه البخاري (٢٦٩٧) في كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم (١٧١٨) بلفظ (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)..
١٠ أخرجه النسائي (٢٥٣٣) في كتاب الزكاة باب أيتهما اليد العليا، وابن حبان (٨/١٣٠-١٣١)، والدارقطني (٣/٤٤-٤٥) من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي. وهذا إسناد حسن من أجل يزيد، قال الحافظ في (التقريب) [٧٧٦٥]: صدوق. ويشهد له الأحاديث الكثيرة التي ذكرها ابن حزم..
١١ (المحلى) (٨/٨٦)، وانظر : (المحلى) (٧/١٥٤-١٥٥)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير