ثم ذم المنافقين بعيب آخر، فقال :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
قلت :( الذين ) : مبتدأ حُذف خبره، أي : منهم الذين، أو خبر عن مبتدأ، أو منصوب على الذم، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين : المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، ( وجهدهم ) : مصدر جهد في الأمر : بالغ فيه.
يقول الحق جل جلاله : ومنهم الذين يلمزون أي : يعيبون المُطَّوِّعِين من المؤمنين في الصدقات ، روي أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبدُ الرَّحْمانِ بْنُ عَوْفٍ بأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهم، وقال : كان لي ثمانية آلافٍ، فأقرضت ربي أربعة، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" باركَ الله لكَ فِيما أَعطَيت وفيما أمْسَكْتَُ ". فبارك الله له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي بثمانية أوسق تمراً، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْثُرَه على تمر الصدقات، فلمزَهم المنافقون، وقالوا : ما أعطي عبد الرحمان عاصم إلا رياءً، ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، فنزلت الآية.
ونزلت في أبي عقيل : والذين لا يجِدُون إلا جُهدهُم ؛ إلا طاقتهم، فيسْخَرون منهم ؛ يستهزئون بهم. قال تعالى : سخر الله منهم ؛ جازاهم على سخريتهم، كقوله : اللَّهُ يَستَهزئُ بِهِم [ البقرة : ١٥ ]، ولهم عذاب أليم على كفرهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي