ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

المنافقين ومواقفهم. والذي نرجحه أن ذلك كان مما وقع قبل غزوة تبوك فاحتوت الآيات تذكيرا بذلك في معرض سرد أخلاق المنافقين كما هو الحال في الآيات السابقة. وأن الآيات والحكمة هذه جزء من السلسلة ولم تنزل لحدتها في مناسبة إحدى الروايات المروية والله تعالى أعلم.
وواضح أن الآيات تنطوي كسابقاتها على تلقين مستمر المدى بتقبيح هذه الصورة وتقرير كونها من أخلاق المنافقين.
ولقد أورد الطبري في سياقها بعض الأحاديث من ذلك حديث مرفوع رواه قتادة عن النبي ﷺ قال: «تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة. قالوا ما هي يا رسول الله قال إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا اؤتمنتم فلا تخونوا وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم. أبصاركم عن الخيانة. وأيديكم عن السرقة.
وفروجكم عن الزنا»
وحديث مرفوع آخر رواه الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كنّ فيه صار منافقا وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم. إذا حدّث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا وعد أخلف». وهناك حديثان من باب الثاني رواهما الشيخان والترمذي وأبو داود جاء في أحدهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» «١». وثانيهما عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهنّ كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها. إذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر» «٢».
وفي الأحاديث مقاييس بليغة للمنافقين. ومن الحكمة المنطوية فيها كما هو المتبادر تقبيح هذه الصفات والتحذير منها وتقرير كونها لا يمكن أن تكون في مؤمن مخلص.
[سورة التوبة (٩) : آية ٧٩]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩).

(١) التاج ج ٥ ص ٤١.
(٢) المصدر نفسه. [.....]

صفحة رقم 503

(١) المطوعين: المتطوعين. وروح الآية تلهم أنها هنا في معنى المتبرعين في الصدقات.
في الآية:
(١) صورة خبيثة أخرى للمنافقين حيث كانوا يعيبون المتبرعين من المؤمنين بالصدقات ويسخرون منهم وبخاصة من الذين يتصدقون بالقليل الذي يبلغ إليه جهدهم وطاقتهم.
(٢) وتعقيب تنديدي على ذلك: فهم أحق بالسخرية. وليسخرن الله منهم وليكونن لهم عنده العذاب الأليم.
تعليق على الآية الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ... إلخ وما فيها من صور وتلقين
روى البخاري عن ابن مسعود حديثا جاء فيه: «لما أمرنا بالصدقة كنّا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون إنّ الله لغنيّ عن صدقة أبي عقيل. وإنّ الآخر ما فعل إلا رئاء فأنزل الله الآية» «١» ولقد أورد الطبري وغيره هذا الحديث وأوردوا معه روايات أخرى «٢» مفادها أن النبي ﷺ دعا المسلمين إلى التصدق فأقبلوا أغنياء وفقراء كل بحسبه. فكان من الأغنياء عبد الرحمن بن عوف الذي تصدّق بنصف ماله البالغ أربعة آلاف دينار أو بأربعمائة أوقية من فضة أو بأربعين أو بمائة أوقية من ذهب. وعاصم بن عدي الذي تبرّع بمائة وسق من تمر. وعمر بن الخطاب الذي تبرّع بمال كثير. وكان من الفقراء أبو

(١) التاج ج ٤ ص ١١٨.
(٢) انظر أيضا البغوي وابن كثير والطبرسي.

صفحة رقم 504

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية