وإذا كان المنافقون يتجرؤون على لمز أشرف الخلق، والطعن في تصرفات خاتم النبيئين والمرسلين كما سبقت الإشارة لذلك في قوله تعالى : ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون فإنهم سيكونون أشد جرأة وأكثر لمزا لمن دونه من المؤمنين، وفعلا فقد كان المنافقون ينتهزون كل فرصة للمز المؤمنين والطعن فيهم، فإذا جاء المؤمنون إلى رسول الله بعطاء جزيل لمزوهم وقالوا : " إنه عطاء مقصود به الرياء والسمعة "، وإذا جاء المؤمنون بعطاء يسير استهزءوا بذلك العطاء وقالوا : " إن الله لغني عن صدقة هؤلاء " بحيث لا يسلم من لمزهم وطعنهم واستهزائهم أحد، من أكبر كبير إلى أصغر صغير، وهذا هو شأن المنافقين في كل جيل. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى هنا : الذين يلمزون المطوعين أي يعيبون المتصدقين تطوعا وتبرعا من المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم أي كما يلمزون الذين يتصدقون بالكثير يلمزون الذين يتصدقون باليسير على قدر طاقتهم : فيسخرون منهم أي يستهزئون بهم. ثم عقب كتاب الله على ذلك ذاكرا نوع العقاب الذي عاقب الله به المنافقين على استهزائهم بالمؤمنين، فقال تعالى : سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم وهذه الآية واردة على طريق المقابلة، أي كما أنهم سخروا من المؤمنين عاقبهم الله فسخر منهم، إذ " الجزاء من جنس العمل ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري