ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

قال الله تعالى :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [ التوبة : ٨١ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٦٩ ] هل الأحكام الشرعية مبنية على علل ؟
قال ابن حزم رحمه الله تعالى :
( وقال أبو سليمان وجميع أصحابه رضي الله عنهم : لا يفعل الله شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه، فإذا نص الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم على أن أمرا كذا لسبب كذا، أو من أجل كذا، ولأن كان كذا أو لكذا، فإن ذلك كله ندري أنه جعله الله أسبابا لتلك الأشياء في تلك المواضع التي جاء النص بها فيها ولا توجب تلك الأسباب من تلك الأحكام في غير تلك المواضع البتة.
قال أبو محمد : وهذا هو ديننا الذي ندين به، وندعو عباد الله تعالى إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى )١.
وقد ذكر رحمه الله أدلة من ذهب إلى القول بالعلل ومنها الآية المذكورة آنفا، فقال :
( واحتج بعضهم بقول الله عز وجل حكاية عن المنافقين أنهم قالوا فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ .
قال أبو محمد :
وهذه الآية كافية في إبطال العلل لأن الله تعالى أخبر أن جهنم ذات حر، وأن الدنيا ذات حر، ثم فرق تعالى بين حكميهما، وأمرهم بالصبر على حر الدنيا، وأنكر عليهم الفرار عنها، وأمرهم بالفرار عن حر جهنم، وألا يصبروا عليها أصلا، نعوذ بالله منها )٢.
ومن أدلته أيضا :
قال الله تعالى : وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرين ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء [ المدثر : ٣١ ].
فأخبر تعالى أن البحث عن علة مراده تعالى ضلالا ؛ لأنه لا بد من هذا، أو من أن تكون الآية نهيا عن البحث عن المعنى المراد، وهذا خطأ لا يقوله مسلم، بل البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم، وعلى كل مسلم فيما يخصه ؛ فصح القول الثاني ضرورة لا بد.
وقال الله تعالى : فعال لما يريد [ هود : ١٠٧ ].
وقال الله تعالى : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [ الأنبياء : ٢٣ ].
قال أبو محمد :
وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة، فالمعلل بعد هذا عاص لله عز وجل، وبالله نعوذ من الخذلان.
وقال تعالى : وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف : ١٩-٢٣ ].
قال أبو محمد :
وقال الله تعالى حاكيا عن إبليس إذ عصى وأبى عن السجود أنه قال :
قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [ الأعراف : ١٢ ].
فصح أن خطأ آدم عليه السلام إنما كان من وجهين :
أحدهما : تركه حمل نهي ربه تعالى عن الوجوب.
والثاني : قبوله قول إبليس أن نهي الله عن الشجرة إنما هو لعلة كذا.
فصح يقينا بهذا النص البين أن تعليل أوامر الله تعالى معصية، وأن أول ما عصي الله به في عالمنا هذا القياس، وهو قياس إبليس على أن السجود لآدم ساقط عنه ؛ لأنه خير منه، إذ إبليس من نار، وآدم من طين، ثم بالتعليل للأوامر كما ذكرنا، وصح أن أول من قاس في الدين، وعلل في الشرائع إبليس ؛ فصح أن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس، وأنه مخالف لدين الله تعالى، نعم ولرضاه.
ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين، ومن إثبات علة لشيء من الشريعة. وبالله تعالى التوفيق )٣.

١ (الإحكام في أصول الأحكام) (م٢/٥٤٦)..
٢ المصدر السابق (م٢/٥٥١-٥٥٢)..
٣ (الإحكام في أصول الأحكام) (م٢/٥٧٣-٥٧٥)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير