ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين، فقال : فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُولِ الله المخلفون : المتروكون، وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان، أو كسلهم، أو المؤمنون، ومعنى بِمَقْعَدِهِمْ أي : بقعودهم يقال : قعد قعوداً ومقعداً : أي جلس، وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري فهو متعلق بفرح : أي فرح المخلفون بقعودهم، وخلاف رسول الله منتصب على أنه ظرف لمقعدهم. قال الأخفش ويونس : الخلاف بمعنى الخلف : أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن جهة الإمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف. وقال قطرب والزجاج : معنى خلاف رسول الله : مخالفة الرسول حين سار وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له : أي قعدوا لأجل المخالفة، أو على الحال مثل : وأرسلها العراك : أي مخالفين له، ويؤيد ما قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة خلف رسول الله.
قوله : وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله سبب ذلك الشحّ بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان، وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم، وانتفاء الصارف عنهم وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحرّ أي : قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطاً لهم، وكسراً لنشاطهم، وتواصياً بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ والمعنى : أنكم أيها المنافقون كيف تفرّون من هذا الحرّ اليسير، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبداً أشدّ حرّاً مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حرّ يسير في زمن قصير، ووقعتم في حرّ كثير في زمن كبير، بل غير متناه أبد الآبدين، ودهر الداهرين.

فكنت كالساعي إلى مثعب موائلاً من سبل الراعد
وجواب لو في لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ مقدّر، أي : لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عروة أن عبد الله بن أبيّ قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل : لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل فأنزل الله : استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«لأزيدنّ على السبعين» فأنزل الله : سَوَاء عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام عليه، فلما وقف قلت : أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا ؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال : يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي : استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم. فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : فَرِحَ المخلفون الآية قال : عن غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال : يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحرّ، فقال الله : قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فأمره بالخروج.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا قال : هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، يقول الله : فليضحكوا قليلاً في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : فاقعدوا مَعَ الخالفين قال : هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية