ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى للمنافقين فيقول :
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ( ٨١ ) .
والفرح هو السرور من فعل تبتهج النفس به. والمخلفون هم الذين أخلفهم نفاقهم، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وذهب إلى الجهاد. بعد أن جاءوه بالمعاذير الكاذبة التي قالوها، وقد تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الحق سبحانه قال :
لو خرجوا فيكم مّا زادوكم إلا خبالا( ٤٧ ( التوبة ).
ومن لا يريد أن يجاهد في سبيل الله إن أخذته معك كرها، يكون ضدك وليس معك. وسيشيع الأكاذيب بين المؤمنين، ويحاول أن يخيفهم من الحرب، وإذا بدأ القتال فهو أول من يهرب من المعركة. ويبحث عن مغارة أو حجر يختفي خلفه. إذن : فهو ليس معك ولكنه ضدك، لأنه لن يقاتل معك، بل ربما أعان عدوك عليك. وفي نفس الوقت هو يضر بالمسلمين، ويحاول أن يشيع بينهم الرعب بالإشاعات الكاذبة. ويبيّن الحق سبحانه وتعالى هنا فطرة رسول الله الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب، فجاء قوله : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله والمقعد هو مكان القعود. والقعود رمز للبقاء في أي مكان. والقيام رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر، والذين تخلفوا فقد قعدوا ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم.
ويقول تعالى : خلاف رسول الله وحين نسمع كلمة خلاف نعرف أن مصدرها خالف خلافا، ومخالفة، كما تقول : قاتل قتالا ومقاتلة. وهي إما أن تكون مخالفة في الرأي، كأن تقول : فلان في خلاف مع فلان أي : أن لكل منهما رأيا. وإما أن تكون في السير، كأن تقوم لتغادر المكان، ويخالفك زميلك أو من معك فيقعد، أو تقعد أنت، فيخالفك هو ويمشي.
والخلاف من ناحية الرأي هو عملية قلبية، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القالب أو الجسد، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للجهاد، فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها. وبذلك خالفوا شرط الإيمان لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى :
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ( ٩١ ) ( التوبة ).
وقوله : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه( ٩٢ ) ( التوبة )
أي : أو ضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليهن ليصلوا معك إلى موقع القتال١ وقد بين لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم : تولوّا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون( ٩٢ ) ( التوبة ).
إذن : فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن، وتفيض أعينهم بالدمع، لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل الله٢. وأما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون.
وقوله سبحانه : خلاف رسول الله نجد فيه أيضا أن كلمة خلاف تستعمل أيضا بمعنى " بعد "، أي بعد رسول الله، فما أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا. وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الحقيقة، وكذلك الذين لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دواب ليركبوها، هؤلاء هم من تخلفوا. ويبين الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول : وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله . أي : أنهم كرهوا أن يتقاتلوا، وكرهوا الجهاد. وليت الأمر قد اقتصر على هذا، بل أرادوا أن يثبطوا المؤمنين ويكرهوهم في القتال في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال. وقد كانت هذه الغزوة " غزوة تبوك " في أيام الحر. وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها، بينما الطريق إلى الحدود مع الروم طويلة. إذن : فهي غزوة كلها مشقة٣.
وقال المنافقون للمؤمنين لا تنفروا ، والنفور هو كراهية الوجود لشيء ما. ويقال : فلان نافر من فلان أي : يكره وجوده معه في مكان واحد. ويقال : فلان بينه وبين فلان نفور، أي : يكرهان وجودهما في مكان واحد. والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهبا إلى مكان القتال. ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب إليه من القعود والراحة.
إذن : فقوله تعالى : وقالوا لا تنفروا في الحر أي : أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذرا لعدم الخروج للجهاد، لأن الجو حار وفيه مشقة. ولكنهم أغبياء، لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته، وجلسوا في الظل ومتعته، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من مشقة، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير. والإنسان إن بشر بأشياء تسره عاما أو أعواما، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه فهو بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع أن الاستمتاع بالحاضر، لأن إنسان يحاول دائما أن يتحمل، ليؤمن مستقبله. ولذلك تجد من يعمل ليلا ونهارا وهو سعيد، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء ؟ يقول : لأؤمن مستقبلي. إذن : فسروا عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة فيها سوء وعذاب، فماذا عن خلودهم في النار ؟.
ولكن هل قالوا : لا تنفروا في الحر في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما، أو قالوها لبعضهم البعض سرا ؟ ومن الذي أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه ؟ نقول : قد يكون ذلك هو ما دار في خاطرهم. وشاء الله أن يعلموا أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في نفوسهم. وشاء أن يفضح ما في سرائرهم، ولعل هذا يدخل الخوف في قلوبهم، من أنه سبحانه مطلع على كل شيء، فيؤمنوا خوفا من عذاب النار.
ومثال هذا الحق حين أراد أن يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا... ( ٢٨ ( التوبة ).
وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة، وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج، بل إنهم كانوا يقولون : إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثياب عصيتم الله فيها، وكأن التقوى تملأ نفوسهم ! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون الأوتان. وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ثيابا جديدة ليطوفوا بها، ومن لا يملك المال يطوف عاريا.
إذن : فقد كان الحج موسما اقتصاديا مزدهرا أهل مكة، يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم طوال العام، فلما جاء البلاغ من الله سبحانه وتعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فالخاطر الذي يأتي من النفس البشرية، فكيف سنعيش ؟. هذا هو أول خاطر يأتي على البال، لأنه سؤال عن مقومات الحياة، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم. وإن لم يجر على ألسنتهم، حينئذ جاء قول الحق سبحانه :{ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله... ( ٢٨ ) ( التوبة ).
إذن : فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم، فرد عليه قبل أن ينطقوه :
كذلك قول الحق سبحانه :{ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ؛ والفقه هو الفهم الدقيق. فأنت حين تعرف شيئا بسطحياته تكون قد عرفته، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته. وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب. ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد.
إذن : فعلمك بشيء وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد، بجب ألا ينسيك ما غاب عنك، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله ارا أشد حرارة، يخلد فيها. ومعنى ذلك أنه لم يفقهه، لأنه علم شيئا غاب عنه أشياء.
ومن هذا المنطق القرآني، رد الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال : " أما بعد، فإن الجهاد باب من لأبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه سيف الخسف ".
ثم يقول بعد ذلك : " إن قلت لكم : اغزوهم في الشتاء، قلتم : هذا أوان قر وصر... أي برد شديد وإن قلت لكم : اغزوهم في الصيف، قلتم : انظرنا-أي أمهلنا- حتى ينصرف عنا، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون، فأنتم والله في النار. يا أشباه الرجال ولا رجال٤.
وقول الحق سبحانه وتعالى : قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون أي : أنهم كانوا قد فرحوا وابتهجوا بأنهم لم يجاهدوا في الحر، فهم سوف يندمون كثيرا على ذلك، مصدقا لقوله تعالى :
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاءا بما كانوا يكسبون( ٨٢ ) .
٢ عن جابر بن عبد الله رضي الله عن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حسبهم المرض" أخرجه مسلم في صحيحه (١٩١١)وأحمد في مسنده(٣/٣٠٠) وابن ماجة في سننه (٢٧٦٥).
٣ وقد سميت أيضا بغزوة العسرة، وذلك في قوله تعالى:لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة (التوبة: ١١٧) قال ابن كثير في تفسيره (٢/٣٩٦) " قال قتادة: خرجا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ما أصابهم منها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان نفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم" ولكن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء..
٤ من خطبة خطبها الإمام علي عندما أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار، فتقاعس المسلمون عن قتالهم فقال:"أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، ولزمه الصغار وسيم الخسف، ومنع النصف ثم قال:"فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: حمارة القيظ، أمهلنا ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا القر، كل ذا فرارا من الحر والقر. فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله والسيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول رباب الحجال" انظر خطبته كاملة في الكتاب "خطب إمام البلغاء" بتحقيق: عادل أبو المعاطي. نشر الروضة- القاهرة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي