وقوله تعالى :( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) الآية جمعوا ؛ أعني المنافقين جميع خصال الشر التي فعلوا :
أحدها : ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول.
والثاني كراهتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم.
والثالث : صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم :( لا تنفروا في الحر ) جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية.
وقوله تعالى :( فرح المخلفون ) ذكر المخلفين[ في الأصل المخلفون ] وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين ][ هنا ينتهي النقص من م الذي أشرنا إلى بدايته في بدء تفسير الآية٧٤ من السورة. . . قال بعض أهل التأويل. . . قال يوما[ ( ٢ ) والله لئن. . ص٤٣١، انظر الحاشية الثانية فيها ] :
[ أحدهما : هم ][ ساقطة من الأصل وم ] مخلفون ؛ خلفهم الله لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم ( إلا خبالا ) وأنهم يبغون ( الفتنة )[ التوبة٤٧ ] خلفهم الله عن ذلك بقوله[ في الأصل وم : كقوله ] ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم )[ التوبة : ٤٦ ] قيل : حبسهم.
فعلى ذلك [ هم ][ ساقطة من الأص وم ] مخلفون ؛ خلفهم الله [ لما علم أن خروجهم لا يزيدهم ( إلا خبالا )[ التوبة : ٤٧ ] وفسادا.
[ والثاني : يحتملهم ][ في م : ويحتمل، ساقطة من الأصل ] مخلفون ؛ خلفهم أصحاب رسول الله لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرها لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا[ في الأصل وم : كان ] متخلفين في الحقيقة.
وقوله تعالى :( بمقعدهم خلاف رسول الله ) أي مخالفة رسول الله. وقرئ خَلْفَ رسول الله[ انظر معجم القراءات القرآنية٣/٣٤ ] أي فرحوا بقعودهم بعد خروج رسول الله.
وقوله تعالى :( بمقعدهم ) يحتمل القعود أي بقعودهم خلفهم، ويحتمل ( بمقعدهم ) أي موضع قعودهم وهو منازلهم وأوطانهم، ( وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ) بخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم.
وقوله تعالى :( لا تنفروا في الحر )/٢١٩-ب/ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفة للمؤمنين، ولكن [ لم يكونوا ][ من م، في الأصل : لا يكن ] أرادوا، إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن لخروج إلى الغزو وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه، لفهم المؤمنون[ في الأصل وم : المؤمنين ] ذلك، ويظهر نفاقهم.
وجائز أن يكون قولهم ( لا تنفروا في الحر ) قالوا ذلك لأتباعهم لا للمؤمنين كقولهم ( وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى )[ آل عمران : ١٥٦ ].
وقوله تعالى :( نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) أي لو كانوا يفقهون ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرا من حر الدنيا، أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصة، ولكن خلقهم فيها ليمتحنهم، ليعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم