فإنَّ رجعَك اللَّهُ إلى طائفَةٍ منهم أي : فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة، وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم وكانوا اثني عشر رجلاً ممن تخلف من المنافقين، وإنما لم يقل : إليهم ؛ لأن منهم من تاب من النفاق، وندم على التخلف، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تُقاتلوا معي عدواً ؛ عقوبة لهم، وفيها خزي وتوبيخ لهم، إنكم رضيتم بالقعود أَوَّلَ مرةٍ ، يعني : عن تبوك، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في المستقبل، فاقعدُوا مع الخالفين أي : المتخلفين، أي : لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان.
الإشارة : من قلَّ إيقانه، وضعف نور إيمانه، فرح ببقائه، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة، واقتحام حَر المخالفة والمكابدة، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة ؛ فسيندم قريباً، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( ١٠ ) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( ١١ ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ( ١٢ ) [ الواقعة : ١٠ـ ١٢ ].
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي