وثالث شيء يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما أكرم الله به نبيه من الذكر الجميل الخالد على مر الدهر : الذكر الخالد في اللوح المحفوظ والملأ الأعلى، والذكر الخالد في أرجاء الأرض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا : ورفعنا لك ذكرك٤ ، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى : وإنه لذكر لك ولقومك ( الزخرف : ٤٤ ).
وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه بعد اسم الله، كلما تحركت بذكر الله الشفاه، ( لا إله إلا الله، محمد رسول الله )، وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه من أعلى ملايين المآذن الشاهقة، المرتفعة في دنيا الإسلام الواسعة، عند النداء لكل صلاة، ( أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله ). قال قتادة : " رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ".
وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكره عليه السلام في مجمع الأنبياء والمرسلين، وهو لا يزال في عالم الغيب في أصلاب آبائه الأولين، ومن أخذ الله على أنبيائه ورسله ميثاقا غليظا بالإيمان به وبدعوته، وتأييده ونصرته، مصداقا لقوله تعالى في سورة ( آل عمران : ٨١ ) : وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ، وفي مثل هذا المقام قال حسان ابن ثابت :
| أغر عليه للنبوة خاتم | من الله من نور يلوح ويشهد |
| وضم الإله اسم النبي إلى اسمه | إذا قال في الخمس المؤذن " أشهد " |
| وشق له من اسمه ليجلّه | فذو العرش " محمود " وهذا " محمد " |
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري