عن عروة بن الزبير -من طريق يزيد بن رَوْمان- قال: بعث رسولُ الله ﷺ عبد الله بن جحش إلى نَخْلَة، فقال له: «كُن بها حتى تأتينا بخبرٍ من أخبار قريش». ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابًا قبل أن يُعْلِمَه أين يسير، فقال: «اخرج أنت وأصحابُك، حتى إذا سِرْتَ يومين فافتح كتابك، وانظر فيه، فما أمرْتُك به فامضِ له، ولا تَسْتَكْرِهَنَّ أحدًا من أصحابك على الذهاب معك». فلمّا سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «امضِ حتى تنزل نخلةً، فتأتينا من أخبار قريش بما اتَّصل إليك منهم». فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعٌ وطاعةٌ، مَن كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإنِّي ماضٍ لأمر رسول الله ﷺ، ومَن كَرِه ذلك منكم فلْيَرْجِع، فإنّ رسول الله ﷺ قد نهاني أن أسْتَكْرِه منكم أحدًا. فمضى معه القوم، حتى إذا كانوا ببُحْران أضَلَّ سعدُ بنُ أبي وقاص وعتبةُ بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَتَعَقَّبانِه، فتخلَّفا عليه يَطْلُبانِه، ومضى القوم حتى نزلوا نخلةً، فمَرَّ بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كَيْسان، وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة قد مَرُّوا بها من الطائف؛ أُدْمٌ، وزبيب، فلمّا رآهم القومُ أشرف لهم واقدُ بن عبد الله، وكان قد حَلَق رأسه، فلما رأوه حَلِيقًا قالوا: عُمّار، ليس عليكم منهم بأس. وائْتَمَر القوم بهم أصحاب رسول الله ﷺ، وهو آخرُ يوم من رجب، فقالوا: لَئِن قتلتموهم إنّكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخُلُنَّ في هذه الليلة مكة الحرم، فَلَيَمْتَنِعُنَّ منكم. فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميِّ فقتله، واسْتَأْسَر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وهرب المغيرةُ فأَعْجَزَهم، واسْتاقُوا العِيرَ، فقَدِموا بها على رسول الله ﷺ، فقال لهم: «واللهِ، ما أمرتُكم بقتالٍ في الشهر الحرام!». فأوقف رسول الله ﷺ الأسيرين والعِير، فلم يأخُذْ منها شيئًا، فلمّا قال لهم رسول الله ﷺ ما قال سُقِط في أيديهم، وظنُّوا أن قد هَلَكوا، وعنَّفهم إخوانُهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمدٌ الدمَ الحرامَ، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية. فلمّا نزل ذلك أخذ رسول الله ﷺ العيرَ، وفَدى الأسيرين، فقال المسلمون: يا رسول الله، أتَطْمَعُ أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾. وكانوا ثمانية، وأميرُهم التاسع عبدُ الله بن جحش
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا. فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتَدَبوا، حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عِنَبَة -شك سفيان-، فقال المشركون: نرجع قابِلَ. فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تُعَدّ غزوة، فأنزل الله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ الآية، وقد كان أبو سفيان قال للنبي ﷺ: موعدك موسمَ بدر حيث قتلتم أصحابنا. فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أُهْبَة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا، وتَسَوَّقوا؛ فأنزل الله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ دعا اليهود إلى الإيمان، فقالوا للنبي ﷺ: آتنا بالآيات والقربان كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم. يقول الله سبحانه: فقد كانت الأنبياء تجيء إلى آبائهم فكانوا يقتلونهم. فقال الله عز وجل: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ يقول: فَلِمَ قتلتم أنبياء الله من قبل، يعني: آباءهم، وقد جاءوا بالآيات والقربان ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني: إن كنتم صادقين بأنّ الله عهد إليكم في التوراة ألا تؤمنوا بالرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاؤوا بالقربان. ﴿فلم قتلتموهم﴾ يعني: آباءهم
عن أبي هريرة، قال: لَمّا فتحَ الله على رسوله مكة قام فيهم، فحَمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ الله حَبَسَ عن مكة الفيل، وسَلَّط عليها رسولَه والمؤمنين، وإنما أُحِلَّت لي ساعةٌ من النهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لِمُنشِد، ومن قُتِل له قتيل فهو بخير النَّظَرَيْن؛ إما أن يَفْدِي، وإما أن يَقْتُل». فقام رجل من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال له: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله ﷺ: «اكتبوا لأبي شاه». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخِر؛ فإنه لقبورنا وبيوتنا. فقال: «إلا الإذخر»
عن صفوان بن أمية، أنّ عُرْفُطَةَ بن نَهِيك التَّمِيمِيّ قال: يا رسول الله، إنِّي وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد، ولنا فيه قَسْم وبَرَكَة، وهو مَشْغَلَة عن ذكر الله، وعن الصلاة في جماعة، وبنا إليه حاجة، أفَتُحِلُّه أم تُحَرِّمه؟ قال: «أُحِلُّه؛ لأنّ الله قد أحلَّه، نِعْمَ العمل، والله أولى بالعذر، قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد، ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها، وحبك ذكر الله وأهله، وابتغ على نفسك وعيالك حلالًا؛ فإنّ ذلك جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله في صالح التجار»
عن عطاء بن يسار -من طريق محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه- قال: نزلت بمكةَ: ﴿وما أوتيتُم منَ العلمِ إلا قليلًا﴾. فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبارُ يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وما أُوتيتُم منَ العلمِ إلّا قليلًا﴾. أفعنَيتنا أم قومَك؟ قال: «كُلًّا قد عنيتُ». قالوا: فإنك تَتْلو أنّا أوتينا التوراة، وفيها تبيانُ كلِّ شيءٍ. فقال رسول الله ﷺ: «هي في علم الله قليلٌ، وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم». فأنزل الله: ﴿ولو أنّما في الأرض من شجرةٍ أقلام﴾. إلى قوله: ﴿إن الله سميعٌ بصيرٌ﴾ [لقمان ٢٧- ٢٨]
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قال: إنّ اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله مِن دون السماء؟ فضرب الله مَثَل ذلك لنوره، فقال: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة﴾ والمشكاة كوة البيت، ﴿فيها مصباح﴾ وهو السِّراج يكون في الزجاجة، وهو مَثَل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته: نورًا، ثم سمّاها أنواعًا شتّى، ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ قال: هي وسط الشجرة، لا تنالها الشمسُ إذا طلعت، ولا إذا غربت، وذلك أجود الزيت، ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ يقول: بغير نار، ﴿نور على نور﴾ يعني بذلك: إيمان العبد وعمله، ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ هو مَثَل المؤمن
عن ثَوْرٍ الكِنديّ: أنّ عمر بن الخطاب كان يَعُسُّ بالمدينة من الليل، فسمع صوتَ رجل في بيت يتغنى، فتسوّر عليه، فوجد عنده امرأة، وعنده خمرًا، فقال: يا عدوّ الله، أظننتَ أنّ الله يسترك وأنتَ على معصيته. فقال: وأنتَ، يا أمير المؤمنين، لا تَعجَل عليَّ، إن أكُنْ عصيتُ الله واحدة فقد عصيتَ الله في ثلاث: قال الله: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ وقد تجسّست، وقال: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ [البقرة:١٨٩] وقد تسوّرت عليّ، ودخلتَ عليّ بغير إذن، وقال الله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور:٢٧]. قال عمر: فهل عندك من خير إن عفوتُ عنك؟ قال: نعم. فعفا عنه، وخرج وتركه
ذكر ابنُ تيمية (٥/٤٥٦-٤٥٨) أن هناك من فسر قوله: ﴿غير ممنون﴾ بـ:غير ممنون عليهم، من جنس قوله: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ [الحجرات:١٧]، ونسبه ابن كثير (١٢/٢١٩) للسُّدّيّ. وانتقده ابنُ تيمية مستندًا لأقوال السلف، والقرآن، والسنة؛ وذلك لمخالفته أقوال السلف، ولأن المنَّة لله على أهل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ [الحجرات:١٧]، وقال أهل الجنة: ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ [الطور:٢٧]، وقال رسول الله ﷺ: «إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢/٢١٩)
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي الضُّحى- قال: كان آخر قول إبراهيم حين أُلقي في النار: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وقال نبيكم مثلها: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾