عن هانئ البَربريِّ مولى عثمان، قال: لَمّا كتب عثمان المصاحف شَكُّوا في ثلاث آيات، فكتَبوها في كَتِف شاة، وأرسلوني بها إلى أُبَيِّ بن كعب وزيد بن ثابت، فدخلت عليهما، فناولتها أُبيَّ بن كعب، فقرأها، فوجد فيها: (لا تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ). فمحا بيده أحَدِ اللامين، وكتبها: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم:٣٠]. ووجد فيها: (انظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّنْ). فمحا النون، وكتبها: ﴿لم يتسنه﴾. وقرأ فيها: (فَأَمْهِلِ الكْافِرِينَ). فمحا الألف، وكتبها: ﴿فمهِّل الكافرين﴾ [الطارق:١٧]. ونظر فيها زيدُ بن ثابت، ثم انطلقت بها إلى عثمان، فأثبتوها في المصاحف كذلك
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب، فيقول: اكتب لي. فيقول: إني مشغول، أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري. فيلزمه، ويقول: إنّك قد أُمِرْت أن تكتب لي. فلا يدعه، ويضاره بذلك وهو يجد غيره، ويأتي الرجل فيقول: انطلق معي فأُشهدك. فيقول: اذهب إلى غيري فإني مشغول، أو لي حاجة. فيلزمه، ويقول: قد أُمِرْتَ أن تتبعني. فيضاره بذلك، وهو يجد غيره؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿فأينما تولوا فثمَّ وجه الله﴾. قال: فقال رسول اللهﷺ: «هؤلاء قَومُ يهود، يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس-، لَوْ أنّا اسْتَقْبَلْناه». فاستقبله النبيُّ ﷺ ستة عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تقول: واللهِ، ما دَرى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء؛ فقال الله: ﴿قد نَرى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام﴾ الآية
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: ذُكِر لنا: أنّ عم ثابت بن رفاعة -وثابتٌ يومئذٍ يتيمٌ في حِجْرِه- من الأنصار أتى نبي الله ﷺ، فقال: إنّ ابن أخي يتيمٌ في حِجْرِي، فماذا يَحِلُّ لي من ماله؟ قال: «أن تأكل من ماله بالمعروف مِن غير أن تقِيَ مالَك بماله، ولا تتخذ من ماله وفْرًا». قال: وكان اليتيمُ يكون له الحائطُ من النخل، فيقوم ولِيُّه على صلاحه وسَقْيِه، فيُصِيب من ثَمَرِه. ويكون له الماشيةُ، فيقوم وليُّه على صلاحها، ومُؤْنَتِها، وعلاجها، فيُصِيب مِن جُزازها، ورِسْلِها، وعَوارِضِها. فأمّا رِقابُ المالِ فليس لهم أن يأكلوا، ولا يستهلكوه
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله عز وجل: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير}، قال: ذلك أنّ الله -جلَّ وعزَّ- لَمّا أنزل: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ الآية؛ كَرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى إليهم، وتَحَرَّجوا أن يُخالِطُوهم في شيء، وسألوا النبي ﷺ عنه؛ فأنزل الله -جلَّ وعز-: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ إلى قوله: ﴿لأعنتكم﴾ [البقرة:٢٢٠]: لأحرجكم، وضَيَّق عليكم، ولكنَّه وسَّع ويَسَّر، فقال: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عَطِيَّة العوفي- قال: لَمّا أطْلَق رسولُ الله ﷺ أبا لبابة وصاحبيه انطَلَق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأَتَوْا بها رسولَ الله ﷺ، فقالوا: خُذ مِن أموالنا فتَصَدَّق بها عَنّا، وصَلِّ علينا -يقولون: استغفِر لنا-، وطهِّرْنا. فقال رسول الله ﷺ: «لا آخُذُ منها شيئًا حتى أُومَر». فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾. يقول: استغفر لهم مِن ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلمّا نزلت هذه الآيةُ أخذ رسولُ الله ﷺ جزءًا مِن أموالهم، فتصدَّق بها عنهم
عن أبي أيوب الأنصاري، قال: بعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً، فنصرها الله، وفتح عليها، فكان مَن أتاه بشيء نَفَّلَه من الخُمُس، فرجع رجال كانوا يستقدِمُون ويَقْتُلون ويأسِرون، وتركوا الغنائم خلفهم، فلم ينالوا من الغنائم شيئًا، فقالوا: يا رسول الله، ما بالُ رجالٍ مِنّا يستْقدِمون ويأسِرون، وتخلَّفَ رجالٌ لم يَصِلوا بالقتال، فنفَّلْتَهم من الغنيمة؟! فسكت رسول الله ﷺ، ونزَل: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ الآية. فدعاهم رسول الله ﷺ، فقال: «رُدُّوا ما أخذتم، واقْتَسِمُوهُ بالعدل والسَّوِيَّة، فإنّ الله يأمركم بذلك». قالوا: قد أنفَقْنا وأكَلْنا. قال: «احتَسِبوا ذلك»
قال عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج-: قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾، قال: كان النَّضْر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارِس، فيمر بالعِباد وهم يقرءون الإنجيل، ويركعون ويسجدون، فجاء مكة، فوجد محمدًا ﷺ قد أُنزِل عليه، وهو يركع ويسجد، فقال النضر: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا. لِلَّذِي سَمِع من العِبادِ. فنزلت: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾. قال: فَقَصَّ ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة، وقصَّ قولَهم: ﴿إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ الآية
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-، وعن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- في هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾، قالا: إن أخاف المسلمين فاقتطع المال ولم يسفك قُطِع، وإذا سفك دمًا قُتِل وصُلِب، وإن جمعهما فاقتطع مالًا وسَفَك دمًا قُطِع ثم قُتِل ثم صُلِب، كأنّ الصَّلْب مُثْلَة، وكأنّ القطع﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكأن القتل ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وإن امتنع فإنّ من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾، يقول: ليسوا بمؤمنين مُخْلِصِين، ولا مُشْرِكين مُصَرِّحِين بالشرك. قال: وذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ كان يضرب مثلًا للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رَهْطٍ ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هَلُمَّ إلَيَّ؛ فإنِّي أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هَلُمَّ إلَيَّ؛ فإنّ عندي وعندي. يُحْصِي له ما عنده، فما زال المنافقُ يتردد بينهما حتى أتى عليه الماءُ فغرقه، وإنّ المنافق لم يَزَلْ في شَكٍّ وشُبهةٍ حتى أتى عليه الموتُ وهو كذلك