تفسير سورة سورة الإنسان

أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير الكريم الرحمن

أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (ت 1376 هـ)

الناشر

مؤسسة الرسالة

الطبعة

الأولى 1420ه -2000 م

المحقق

عبد الرحمن بن معلا اللويحق

نبذة عن الكتاب

للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: 1376)، وهو تفسير يعتني بإيضاح المعنى المقصود من الآية بعبارة واضحة مختصرة، مع ذكر ما تضمنته الآية من معنى أو حكم سواء من منطوقها أو مفهومها، دون استطراد أو ذكر قصص أو إسرائيليات، أو حكاية أقوال تخرج عن المقصود، أو ذكر أنواع الإعراب، إلا إذا توقَّف عليه المعنى، وقد اهتم بترسيخ العقيدة السَّلفيَّة، والتوجَّه إلى الله، واستنباط الأحكام الشرعية، والقواعد الأصولية، والفوائد الفقهية، والهدايات القرآنية إلى غير ذلك من الفوائد الأخرى والتي قد يستطرد أحياناً في ذكرها، ويهتم في تفسيره بآيات الصفات، فيفـسرها على عقيدة أهل السُّنَّة.
له طبعات عديدة من أفضلها طبعة دار ابن الجوزي بالدمام ، وقد حذَّر بعض أهل العلم من طبعة محمد زهري النجار، فهو يضيف من عنده في التفسير دون أن يبيِّن أنه من كلامه هو، وغير ذلك من الأخطاء، وقد صدر كتاب بعنوان: (كشف الستار عن تلفيق وتعليق النجار على تفسير الشيخ عبدالرحمن السعدي)، للشيخ محمد بن سليمان البسام.

مقدمة التفسير
تفسير سورة هل أتى على الإنسان وهي مكية
﴿١ - ٣﴾ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ومنتهاها.
فذكر أنه مر عليه دهر طويل وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ليس مذكورا.
ثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق [أباه] آدم من طين، ثم جعل نسله متسلسلا ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: ماء مهين مستقذر ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه؟
فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده.
ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة -[٩٠١]- إلى الله (١)، ورغبه فيها، وأخبره بما له عند الوصول إلى الله.
ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك، ورهبه منها، وأخبره بما له إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه، أنعم الله عليه بالنعم الدينية والدنيوية، فردها، وكفر بربه، وسلك الطريق الموصلة إلى الهلاك.
ثم ذكر تعالى حال الفريقين عند الجزاء فقال:
(١) في ب: الطريق الموصلة إليه وبينها.
﴿٤ - ٢٢﴾ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا * إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
إلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي ﴿سَلاسِلَ﴾ في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
﴿وَأَغْلالا﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها.
﴿وَسَعِيرًا﴾ أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا.
وأما ﴿الأبْرَارِ﴾ وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم (١)، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة (٢).
كما قال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾.
(١) في ب: أعمالهم.
(٢) في ب: الموجودة في الدنيا تنعدم من الأسماء التي ذكرها الله في الجنة.
— 901 —
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاءوا، وكيف أرادوا، فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي: جهة يرونها من الجهات المونقات.
وقد ذكر (١) جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب (٢) عليهم، إلا بإيجابهم على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي: منتشرا فاشيا، فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ أي: لا جزاء ماليا ولا ثناء قوليا.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ أي: شديد الجهمة والشر ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أي: ضنكا ضيقا، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة [هذا يومكم الذي كنتم توعدون].
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أي: أكرمهم وأعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾ في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلم يتسخطوها، ﴿جَنَّةً﴾ جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، ﴿وَحَرِيرًا﴾ كما قال [تعالى:] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ﴾ الاتكاء: التمكن من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة [الراحة]، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿شَمْسًا﴾ يضرهم حرها ﴿وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد.
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ أي: قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع.
ويطاف على أهل الجنة أي: يدور [عليهم] الخدم والولدان (٣) ﴿بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: مادتها من فضة، -[٩٠٢]-[وهي] على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير.
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: قدروا الأواني المذكورة على قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم (٤). ويحتمل أن المراد: قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: خلطها ﴿زَنْجَبِيلا﴾ ليطيب طعمه وريحه.
﴿عَيْنًا فِيهَا﴾ أي: في الجنة، ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها.
﴿وَيَطُوفُ﴾ على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم.
﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ منتشرين في خدمتهم ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ من حسنهم ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ أي: هناك في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم (٥) ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فتجد الواحد منهم، عنده من القصور والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض المعجبة، والطيور المطربة [المشجية] ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس.
وعنده من الزوجات. اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة.
ثم علاوة ذلك وأعظمه الفوز برؤية (٦) الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ أي: قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من الديباج (٧) والإستبرق: ما رق منه. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا.
وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الجزاء الجزيل والعطاء الجميل ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ على ما أسلفتموه من الأعمال، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره.
وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا﴾ فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك. ولهذا قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق. ﴿وَلا تُطِعْ﴾ من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك ﴿آثِمًا﴾ أي: فاعلا إثما ومعصية ولا ﴿كَفُورًا﴾ فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون (٨) إلا بما تهواه أنفسهم. ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله (٩)، والإكثار من ذكره أمره الله بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، الصلوات -[٩٠٣]- المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير في هذه الأوقات.
(١) في ب: ثم ذكر.
(٢) في ب: الذي هو غير واجب.
(٣) في ب: "ويطاف عليهم" أي: يدور الولدان والخدم على أهل الجنة.
(٤) في ب: لم تكفهم لريهم.
(٥) في ب: أي رمقت ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل.
(٦) في ب: برضا.
(٧) في ب: ما غلظ الحرير.
(٨) في ب: لا بد أن تكون معصية لله لأنهم لا يأمرون.
(٩) في ب: يستمد من القيام بطاعة الله.
— 901 —
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أي: أكثر [له] من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة (١). ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ الآية (٢) [وقوله] ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ أي: المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون، ﴿الْعَاجِلَةَ﴾ ويطمئنون إليها، ﴿وَيَذَرُونَ﴾ أي: يتركون العمل ويهملون ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: أمامهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها.
(١) في ب: وذلك متضمن لكثرة الصلاة.
(٢) "في ب: أكمل الآيات (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ).
— 903 —
﴿٢٨﴾ ثم استدل عليهم وعلى بعثهم بدليل عقلي، وهو دليل الابتداء، فقال: ﴿ {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ أي: أوجدناهم من العدم، ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ أي: أحكمنا خلقتهم بالأعصاب، والعروق، والأوتار، والقوى الظاهرة والباطنة، حتى تم الجسم واستكمل، وتمكن من كل ما يريده، فالذي أوجدهم على هذه الحالة، قادر على أن يعيدهم بعد موتهم لجزائهم، والذي نقلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار، لا يليق به أن يتركهم سدى، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يثابون، ولا يعاقبون، ولهذا قال: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا﴾ أي: أنشأناكم للبعث نشأة أخرى، وأعدناكم بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: يتذكر بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أي: طريقا موصلا إليه، فالله يبين الحق والهدى، ثم يخير الناس بين الاهتداء بها أو النفور عنها، مع قيام الحجة عليهم (١)، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإن مشيئة الله نافذة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فله الحكمة في هداية المهتدي، وإضلال الضال. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ فيختصه بعنايته، ويوفقه لأسباب السعادة ويهديه لطرقها. ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ الذين اختاروا الشقاء على الهدى ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [بظلمهم وعدوانهم]. تم تفسير سورة الإنسان - ولله الحمد والمنة (٢).
تفسير سورة المرسلات
وهي مكية
(١) في ب: إقامة للحجة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة.
(٢) في ب: تمت ولله الحمد.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

3 مقطع من التفسير