جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاّتّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أُحد حين التقى جمع المسلمين والمشركين. ويعني بالذي أصابهم : ما نال من القتل من قُتِل منهم، ومن الجراح من جُرح منهم ﴿فبإذْنِ اللّه﴾ يقول : فهو بإذن الله كان، يعني : بقضائه وقدره فيكم. وأجاب «ما » بالفاء، لأن «ما » حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل :﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤمِنِينَ وليعلمَ الّذَينَ نافَقُوا﴾ بمعنى : وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأُحد، ليميز أهل الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين. وقد بينا تأويل قوله :﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤمِنِينَ﴾ فيما مضى، وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَما أصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ فَبإذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ المؤمِنِينَ﴾ : أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم فبإذني، كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتم وعدي، ليميز بين المنافقين والمؤمنين، ﴿وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُوا﴾ منكم، أي ليظهرُوا ما فيهم.
﴿وَقِيلَ لَهمْ تَعَالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أو ادْفَعوا قالوا لَوْ نَعْلَمْ قِتالاً لاتّبَعنْاكّمْ هُمْ للْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنْهمْ للإيِمَانِ يَقُولُونَ بأفْوَاهِهمْ ما لَيْسَ فِي قلُوبِهِمْ وَاللّهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك : عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق وأصحابَهُ الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، حين سار نبيّ الله ﷺ إلى المشركين بأُحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون : تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا ! فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتال. فأبدوا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتّبَعْناكُمْ﴾ غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه، من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم، قد حدّث، قال : خرج رسول الله ﷺ يعني : حين خرج إلى أُحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أُحد والمدينة انخزل عنهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس، فقال أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس¹ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول : يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم، فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال : أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم ! ومضى رسول الله ﷺ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يعني : عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه، الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ، حين سار إلى عدوّه من المشركين بأُحد. وقوله :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتّبَعْناكُمْ﴾ يقول : لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظنّ أن يكون قتال، فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم. يقول الله عزّ وجلّ :﴿هُمْ للْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْربُ مِنْهمْ للإيِمَانِ﴾ وليس في قلوبهم ﴿وَاللّهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ : أي يخفون.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : خرج رسول الله ﷺ يعني : يوم أُحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا¹ فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبيّ ابن سلول في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له : ما نعلم قتالاً، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا.. قال : فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن أبي عبد الله الأنصاري حين دعاهم، فقالوا : ما نعلم قتالاً، ولئن أطعتمونا لترجعنّ معنا، فقال :﴿الّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أطَاعُوَنا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج قال : قال ابن جريج : قال عكرمة :﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتّبَعْناكمْ﴾ قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد :﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً﴾ قال : لو نعلم أنا واجدون معكم قتالاً، لو نعلم مكان قتال لاتبعناكم.
واختلفوا في تأويل قوله ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ فقال بعضهم : معناه : أو كثّروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ يقول : أو كثروا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قال : بكثرتكم العدوّ وإن لم يكن قتال.
وقال آخرون : معنى ذلك : أو رابطوا إن لم تقاتلوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا إسماعيل بن حفص الأملي وعليّ بن سهل الرملي، قالا : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا عتبة بن ضمرة، قال : سمعت أبا عون الأنصاريّ في قوله :﴿قاتِلوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ قال : رابطوا.
وأما قوله :﴿وَاللّهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمونَ﴾ فإنه يعني به : والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالاً ما تبعوهم، ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما يخفونه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا، فيفضحهم به، ويصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول المنافق وأصحابَه، الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، حين سار نبي الله ﷺ إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به، كما:-
٨١٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين
(٢) الأثر: ٨١٩٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٨٧.
٨١٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا"، يعني: عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد = وقوله:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم = يقول الله عز وجل:"هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم"، يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم، (٣) ="والله أعلم بما يكتمون"، أي: يخفون. (٤)
٨١٩٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: خرج رسول الله ﷺ -يعني يوم أحد- في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا
(٢) الأثر: ٨١٩٣- سيرة ابن هشام ٣: ٦٨، وهو تابع الأثر الماضي رقم: ٧٧١٥، وبين رواية الطبري، ورواية ابن هشام خلاف في بعض اللفظ.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، وليس في قلوبهم"، وقد اختل الكلام، وأظنه سقط من سهو الناسخ، فأتممته من السيرة، وأتممت الآية وتفسيرها بعدها.
(٤) الأثر: ٨١٩٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٢.
٨١٩٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عكرمة:"قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد"لو نعلم قتالا"، قال: لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم.
* * *
واختلفوا في تأويل قوله"أو ادفعوا".
فقال بعضهم: معناه: أو كثِّروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٩٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو ادفعوا"، يقول: أو كثِّروا.
٨١٩٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"أو ادفعوا"، قال: بكثرتكم العدو، وإن لم يكن قتال.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتلوا.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٩٨م- حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي وعلي بن سهل الرملي قالا حدثنا
(٢) الأثر: ٨١٩٥- مضى بعضه برقم: ٧٧٢٣، والتاريخ ٣: ١٢.