محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤٥ من سورة الواقعة في ٩٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الواقعة

٩٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : إنّهُمُ كانُوا قَبْلَ ذلكَ مُترَفِينَ يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء الذين وصف صفتهم من أصحاب الشمال، كانوا قبل أن يصيبهم من عذاب الله ما أصابهم في الدنيا مترفين، يعني منعمين. كما :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس إنّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلكَ مُتْرَفِينَ يقول : منعمين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: (أَتْرَابًا) قال: الأتراب: المستويات.
وقوله: (لأصْحَابِ الْيَمِينِ) يقول تعالى ذكره: أنشأنا هؤلاء اللواتي وصف صفتهنّ من الأبكار للذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾
يقول تعالى ذكره: الذين لهم هذه الكرامة التي وصف صفتها في هذه الآيات ثُلَّتان، وهي جماعتان وأمتان وفرقتان: (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ)، يعني جماعة من الذين مضوا قبل أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. (وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ)، يقول: وجماعة من أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقال به أهل التأويل.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال الحسن: (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ) من الأمم (وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) : أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ) قال: أمة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قال ثنا قتادة، قال: ثنا الحسن عن حديث عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود قال: "تحدثنا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات ليلة حتى أكرينا في الحديث، ثم رجعنا إلى أهلينا، فلما أصبحنا غدونا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: عُرِضَتْ عَلىَّ الأنْبِياءُ اللَّيْلَةَ بأتْباعها مِنْ أُمَمِها، فَكانَ النَّبِيُّ يَجِيءُ مَعَهَ الثُّلَّةُ مِنْ أُمَّتِهِ، والنَّبِيُّ مَعَهُ العِصَابَةُ مِنَ أُمَّتِهِ؛ والنَّبِيُّ مَعَهُ النَّفَرُ مِن أُمَّتِهِ، والنَّبِيُّ مَعَهَ الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِهِ، والنَّبِيُّ ما مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ أحَد مِنْ قَوْمِهِ، حتى أتى عَليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ في كَبْكَبَةٍ مِنْ بني إسْرائيلَ؛ فَلَمَّا رأيْتُهُمْ أعْجَبُونِي، فَقُلْتُ أيْ رَبّ مَنْ هَؤُلاء؟ قال: هَذاَ أخُوك مُوسَى بنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بني إسْرائِيلَ فقُلْتُ رَبّ، فأيْنَ أُمَّتِي؟ فَقِيلَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينكَ، فإذَا ظرَابُ مَكَّةَ قَدْ سُدَّتْ بِوُجُوهِ الرّجِالِ فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاء؟ قِيلَ: هَؤُلاء أُمَّتُكَ، فَقِيل: أرَضِيتَ؟ فَقُلْتُ: رَبِّ رَضيتُ رَب رَضِيتُ قِيلَ: انْظُر عَنْ يَسارِكَ، فَإذَا الأفقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرّجِالِ، فَقُلْتُ: رَبَّ مَنْ هَؤُلاء؟ قِيلَ: هَؤُلاء أُمَّتُكَ، فَقيلَ: أرَضِيتَ؟ فَقُلْتُ رَضيتُ، رَبَّ رَضِيتُ؛ فَقِيلَ إنَّ مَعَ هَؤُلاءِ سَبْعينَ ألْفا مِنْ أُمَّتِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لا حسابَ عَلَيْهمْ؛ قال: فأنشأ عُكَّاشة بن محصن، رجل من بني أسد بن خُزيمة، فقال: يا نبيّ الله ادعُ ربك أن يجعلني منهم، قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبيّ الله ادع ربك أن يجعلني منهم، قال: سَبَقَك بها عُكَّاشَةُ، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَدًى لَكُمْ أبي وأمِّي إن اسْتطَعْتُمْ أنْ تَكُونوا مِنَ السَبْعينَ فَكُونُوا، فإنْ عَجَزْتُمْ وَقَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أهْل الظِّرَاب، فإنْ عَجَزْتُمْ وَقَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أهْل الأفُقِ، فإنّي رأيْتُ ثمَّ أناسا يَتَهَرَّشُونَ (١) كَثيرًا، أو قال يَتَهَوَّشُونَ؛ قال: فتراجع المؤمنون، أو قال
(١) كذا في الأصل. وفي (النهاية: هرش) يتهارشون، هكذا رواه بعضهم، وفسره بالتقاتل. وهو في مسند أحمد بالواو بدل الراء، والتهاوش: الاختلاط. اهـ. (وقال في هوش) : وفي حديث الإسراء: فإذا بشر كثير يتهاوشون، الهوش: الاختلاط، أي يدخل بعضهم في بعض.
فتراجعنا على هؤلاء السبعين، فصار من أمرهم أن قالوا: نراهم ناسا وُلدوا في الإسلام، فلم يزالوا يعلمون به حتى ماتوا عليه، فنمى حديثهم ذاك إلى نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: لَيْس كَذاكَ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذينِ لا يَسْترْقُونَ، وَلا يَكْثَوونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلى رَبَّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - ذُكر أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال يومئذ: "إنّي لأرَجْو أنْ يَكُونَ مِنْ تَبِعَنِي مِنْ أمَّتِي رُبْعَ أهْلِ الجَنَّة، فكبرنا، ثم قال: إنّي لأرَجْو أنْ تكُونُوا الشَّطْرَ، فكبرنا، ثم تلا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هذه الآية: (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ).
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الحسن بن بشر البجَليُّ، عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة، عن الحسن عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود، قال: "تحدّثنا لَيْلَةً عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، حتى أكرينا أو أكثرنا، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فإذَا الظِّرَابُ ظِرابُ مَكَّةَ مَسْدُودَةٌ بَوُجُوهِ الرّجالِ وقال أيضا: فإني رأيْتُ عبده أناسا يَتَهاوَشُونَ كَثِيرا؛ قال: فقلنا: من هؤلاء السبعون ألفا فاتفق رأينا على أنهم قوم وُلدوا في الإسلام ويموتون عليه قال: فذكرنا ذلك لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: لا وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَكْتَوُونَ وقال أيضا: ثم قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إني لأرَجو أنْ تكُونُوا رُبْعَ أهْل الجَنَّةِ، فكبر أصحابه ثم قال: إنيّ لأرَجوا أنْ تكُونُوا ثُلثَ أهْلِ الجَنَّةِ، فكبر أصحابه; ثم قال: إنيّ لأرَجو أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثم قرأ (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث قال: كلهم في الجنة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه بلغه أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "أتَرْضَوْنَ أنْ تكُونُوا رُبُعَ أهْل الجَنَّة؟
قالوا: نعم، قال: أتَرْضَوْنَ أنْ تكُونُوا ثُلُثَ أهْل الجَنَّة؟ قالوا: نعم، قال وَالَّذي نَفْسي بَيَده إنيّ لآرَجو أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أهْل الجَنَّةِ، ثم تلا هذه الآية (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن بُديَل بن كعب أنه قال: أهل الجنة عشرون ومئة صفّ، ثمانون صفا منها من هذه الأمة.
وفي رفع (ثُلَّةٌ) وجهان: أحدهما الاستئناف، والآخر بقوله: لأصحاب اليمين ثلتان، ثلة من الأوّلين وقد رُوي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبر من وجه عنه صحيح أنه قال: الثُّلَّتانِ جَميعا مِنْ أمَّتِي".
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "هُمَا جَميعا مِنْ أمَّتي".
وقوله: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) يقول تعالى ذكره معجبا نبيه محمدا من أهل النار (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ) الذين يؤخذ بهم ذات الشمال من موقف الحساب إلى النار (مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) : أي ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم.
وقوله: (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ) يقول: هم في سّموم جهنم وحَميمها.
وقوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) يقول تعالى ذكره: وظل من دُخان شديد السواد. والعرب تقول لكلّ شيء وصفته بشدّة السواد: أسود يَحْموم.
وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: ثني يزيد بن الأصمّ، قال: سمعت ابن عباس يقول في (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: هو ظلّ الدخان.
حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا قبيصة بن ليث، عن الشيبانيّ، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت الشيباني، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الشيباني، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: هو الدخان.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم بن طُهمان، عن سماك بن جرب، عن عكرِمة، عن ابن عباس (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: الدخان.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) يقول: من دخان حَميم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرِمة، أنه قال في هذه الآية (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: الدخان.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك، في قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: دخان حميم.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك بمثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن
مجاهد (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: الدخان.
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (مِنْ يَحْمُومٍ) قال: من دخان حميم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سليمان الشيباني، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس، ومنصور، عن مجاهد (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قالا دخان.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: من دخان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) كنا نحَدَّث أنها ظلّ الدخان.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) قال: ظلّ الدخان دخان جَهنم، زعم ذلك بعض أهل العلم.
وقوله: (لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) يقول تعالى ذكره: ليس ذلك الظلّ ببارد، كبرد ظلال سائر الأشياء، ولكنه حارّ، لأنه دخان من سعير جهنّم، وليس بكريم لأنه مؤلم من استظلّ به، والعرب تتبع كلّ منفيّ عنه صفة حمد نفي الكرم عنه، فتقول: ما هذا الطعام بطيب ولا كريم، وما هذا اللحم بسمين ولا كريم وما هذه الدار بنظيفة ولا كريمة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا النضر، قال: ثنا جويبر، عن
الضحاك، في قوله: (لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) قال: كلّ شراب ليس بعذب فليس بكريم.
وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) قال: لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر.
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء الذين وصف صفتهم من أصحاب الشمال، كانوا قبل أن يصيبهم من عذاب الله ما أصابهم في الدنيا مترفين، يعني منعمين.
كما حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) يقول: منعمين.
وقوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) يقول جلّ ثناؤه: وكانوا يقيمون على الذنب العظيم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد يُصِروّن: يدمنون
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يدهنون، أو يدمنون.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ) قال: لا يتوبون ولا يستغفرون، والإصرار عند العرب على الذنب: الإقامة عليه، وترك الإقلاع عنه.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَالنَّبِيُّ فِي العصابة! والنبي في الثلاثة والنبي وليس مَعَهُ أَحَدٌ- وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هُودٍ: ٧٨] قَالَ: حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ «١» مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: قُلْتُ رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ تبعه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ! قَالَ: قُلْتُ رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ «٢» قَالَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ قَالَ: قَالَ أَرَضِيتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ رَضِيتُ رَبِّ.
قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ قال: أرضيت؟ قلت: قد رَضِيتُ رَبِّ.
قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ». قَالَ وَأَنْشَأَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ سَعِيدٌ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: فَقَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ» قَالَ أَنْشَأَ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فإني قد رأيت أناسا كَثِيرًا قَدْ تَأَشَّبُوا حَوْلَهُ- ثُمَّ قَالَ- إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ: فَكَبَّرْنَا قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ فَكَبَّرْنَا، قال ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا:
مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ نَحْوَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٣» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «هما جميعا من أمتي».

[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٥٦]

وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ عَطَفَ عَلَيْهِمْ بذكر أصحاب الشمال فقال:
(١) الكبكبة: الجماعة من الناس.
(٢) الظراب: الجبال الصغار
(٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٤٦.
وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: فِي سَمُومٍ وَهُوَ الْهَوَاءُ الْحَارُّ وَحَمِيمٍ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: انْطَلِقُوا إِلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٩- ٣٤] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ لَا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ أَيْ لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَنَ الْمَنْظَرِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ وَلا كَرِيمٍ أَيْ وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ، قال الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ فَيَقُولُونَ: هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ. وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عن قتادة به نحوه، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى:
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ أَيْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أنفسهم لا يلوون مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ وَكانُوا يُصِرُّونَ أَيْ يقيمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْحِنْثِ الْعَظِيمِ: الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ.
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أَيْ أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحدا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هُودٍ: ١٠٣- ١٠٥] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أَيْ هُوَ موقت بوقت محدود، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ وَيُسَجَّرُونَ حَتَّى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعكرمة:
(١) تفسير الطبري ١١/ ٦٤٧. ولفظه: والعرب تتبع كل منفيّ عنه صفة حمد نفي الكرم عنه، فتقول: ما هذا الطعام بطيب ولا كريم.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء فقال :﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي : قد ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل، فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤١-٤٨} ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾.
المراد بأصحاب الشمال [هم:] أصحاب النار، والأعمال المشؤومة.
فذكر [الله] لهم من العقاب، ما هم حقيقون به، فأخبر أنهم ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي: ريح حارة من حر نار جهنم، يأخذ بأنفاسهم، وتقلقهم أشد القلق، ﴿وَحَمِيمٍ﴾ أي: ماء حار يقطع أمعاءهم.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ أي: لهب نار، يختلط بدخان.
﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أي: لا برد فيه ولا كرم، والمقصود أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه، لأن نفي الضد إثبات لضده.
ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي: قد ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل، فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه.
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ أي: وكانوا يفعلون الذنوب الكبار ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا عليه بأوزار كثيرة [غير مغفورة].
وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا لوقوعه: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ أي: كيف نبعث بعد موتنا وقد بلينا، فكنا ترابا وعظاما؟ [هذا من المحال] ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ قال تعالى جوابا لهم وردا عليهم (١) :
﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ والآخرين لمجموعون إلى ميقات يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: قل إن متقدم الخلق ومتأخرهم، الجميع سيبعثهم الله ويجمعهم لميقات يوم معلوم، قدره الله لعباده، حين تنقضي الخليقة، ويريد الله تعالى جزاءهم على أعمالهم التي عملوها في دار التكليف.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ﴾ عن طريق الهدى، التابعون لطريق الردى، ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالرسول ﷺ وما جاء به من الحق والوعد والوعيد.
﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ والذي أوجب لهم أكلها -مع ما هي عليه من الشناعة- الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه أفئدتهم. هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
وأما شرابهم، فهو بئس الشراب، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام من الماء الحميم الذي يغلي في البطون شرب الإبل الهيم أي: العطاش، التي قد اشتد عطشها، أو [أن الهيم] داء يصيب الإبل، لا تروى معه من شراب الماء.
﴿هَذَا﴾ الطعام والشراب ﴿نزلُهُمْ﴾ أي: ضيافتهم ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ وهي -[٨٣٥]- الضيافة التي قدموها لأنفسهم، وآثروها على ضيافة الله لأوليائه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نزلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾
ثم ذكر الدليل العقلي على البعث، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن الذين أوجدناكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، من غير عجز ولا تعب، أفليس القادر على ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير، ولهذا وبخهم على عدم تصديقهم بالبعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ.
(١) في ب: قال تعالى في جوابهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
مُتْرَفِينَ
مُتَنَعِّمِينَ مُنْهَمِكِينَ فيِ الشَّهَوَاتِ.

إعراب الآية ٤٥ من سورة الواقعة

من كتاب: إعراب القرآن

النعت ولم تفرق «لا» بين النعت والمنعوت لتصرّفها وَلا كَرِيمٍ عطف عليه، وأجاز النحويون الرفع على إضمار مبتدأ كما قال: [الكامل] ٤٥٧-
وتريك وجها كالصّحيفة لاظمآن مختلج ولا جهم
«١»

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٤٥]

إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
أي في الدنيا، روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: منعّمين.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٤٦]

وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)
وَكانُوا يُصِرُّونَ قال ابن زيد: لا يتوبون ولا يستغفرون. والإصرار في اللغة الإقامة على الشيء وترك الإقلاع عنه. عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ قال الفرّاء: يقول الشرك هو الحنث العظيم.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٤٧]

وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)
وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ تعجّبوا من هذا فلذلك جاء بالاستفهام. قال أبو جعفر: من قال إذا متنا جاء بالهمزة الثانية بين بين فهي متحرّكة كما كانت قبل التخفيف. وهكذا قال محمد بن يزيد، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: همزة بين بين لا متحرّكة ولا ساكنة. قال أبو جعفر: فأما كتابها فبالألف لا غير لأنها مبتدأة ثم دخلت عليها ألف الاستفهام. فإذا في موضع نصب على الظرف، ولا يجوز أن يعمل فيه لمبعوثون لأنه خبر «إنّ» فلا يعمل فيما قبله والعامل فيه متنا. ويقال: متنا على لغة من قال: مات يموت وهي فصيحة ومن قال: متنا فهو على لغة من قال: مات يمات مثل خاف يخاف، وقد قيل: هو على فعل يفعل جاء شاذا.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٤٨]

أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)
معطوف على الموضع، ويجوز أن يكون معطوفا على المضمر المرفوع.

[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]

قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)
حكى سيبويه «٢» عن العرب سماعا: ادخلوا الأول فالأول. وزعم أنه منصوب على الحال وفيه الألف واللام. وقال ابن كيسان: لا نعلم شيئا يصحّ في كلام
(١) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ٣١٣، ولسان العرب (ظمأ) و (خلج)، وتاج العروس (ظمأ) و (خلج)، وأساس البلاغة (جهم)، والمفضليات ٢١٣، وبلا نسبة في المخصّص ١/ ٩١.
(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٦٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾، قال: مُنَعَّمِين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٣٣٨، وابن أبي حاتم -كما في الفتح ٨‏/‏٦٢٦، والإتقان ٢‏/‏٤٧-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿إنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾، قال: مشركين جبّارين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ثم نَعَت أعمالهم التي أوجب الله عز وجل لهم بها ما ذُكر من النار: ﴿إنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾، يعني: مُنَعَّمين في ترْك أمر الله تعالى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٢١.
التفسير بالمأثور لسورة الواقعة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤٥ من سورة الواقعة

٥ وقفات في هذه الآية

  • ‏الترف مجاوزة حد التنعم إلى درجة بطر الحق، وقد ذكر في ثمانية مواضع من القرآن كلها على وجه الذم، قيل عن أصحاب الشمال(إنهم كانوا قبل ذلك مترفين)." 

    — سعود الشريم

  • تدبرات وتأملات ، سورة كذا الواقعة كذا 45

    — عبدالله الغفيلي

  • احذر أن تكون من المتنعمين بدنياهم من لا همّ لهم إلا شهواتهم، الترف من صفات أصحاب الشمال. ﴿إنهم كانوا قبل ذلك مترفين﴾

    — مجالس التدبر

  • ﴿إنهم كانوا قبل ذلك مترفين﴾ لم يذكر القرآن الترف إلا على وجه الذم!

    — مجالس التدبر

  • الإغراق في نعيم الدنيا يؤدي إلى الترف، والترف يقود إلى البطَر، والبطر يوصل إلى جحد فضل المنعم، وعاقبة الجحود جِدُّ وخيمة.

    — مصحف تدبر المفصل

ترجمات معاني الآية ٤٥ من سورة الواقعة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(45) Indeed they were, before that, indulging in affluence,
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال