جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وإذا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسّهُ الشّرّ فَذُو دعاء عَرِيضٍ
يقول تعالى ذكره : وإذا نحن أنعمنا على الكافر، فكشفنا ما به من ضرّ، ورزقناه غنىً وسعةً، ووهبنا له صحة جسم وعافية، أعرض عما دعوناه إليه من طاعته، وصدّ عنه وَنأَى بجانِبِهِ يقول : وبعد من إجابتنا إلى ما دعوناه إليه، ويعني بجانبه بناحيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : أعْرَضَ وَنأَى بِجانِبِهِ يقول : أعرض : صدّ بوجهه، ونأى بجانبه : يقول : تباعد.
وقوله : وَإذَا مَسّه الشّرّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ يعني بالعريض : الكثير. كما :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ يقول : كثير، وذلك قول الناس : أطال فلان الدعاء : إذا أكثر، وكذلك أعرض دعاءه.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللّهِ ثُمّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلّ مِمّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قُلْ يا محمد للمكذّبين بما جئتهم به من عند ربّك من هذا القرآن أرَأَيْتُمْ أيها القوم إنْ كانَ هذا الذي تكذّبون به مِنْ عِنْدِ اللّهِ ثُمّ كَفَرْتُمْ بِهِ ألستم فِي فِراقٍ للحق وبعدٍ من الصواب، فجعل مكان التفريق الخبر، فقال : مَنْ أضَلّ مِمّنْ هُوَ في شِقاقٍ بَعَيدٍ إذا كان مفهوماً معناه.
وقوله : مَنْ أضَلّ مِمّنْ هُوَ في شِقاقٍ بَعَيدٍ يقول : قل لهم من أشدّ ذهاباً عن قصد السبيل، وأسلك لغير طريق الصواب، ممن هو في فراقٍ لأمر الله وخوفٍ له، بعيد من الرشاد.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: (أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) يقول: أعرض: صدّ بوجهه، ونأى بجانبه: يقول: تباعد.
وقوله: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) يعني بالعريض: الكثير.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) يقول: كثير، وذلك قول الناس: أطال فلان الدعاء: إذا أكثر، وكذلك أعرض دعاءه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (قُلْ) يا محمد للمكذّبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن (أَرَأَيْتُمْ) أيها القوم (إِنْ كَانَ) هذا الذي تكذبون به (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ) ألستم في فراق وبعد من الصواب، فجعل مكان التفريق الخبر، فقال: (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) إذا كان مفهوما معناه.
وقوله: (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) يقول: قل لهم من أشد ذهابا عن قصد السبيل، وأسلك لغير طريق الصواب، ممن هو في فراق لأمر الله وخوف له، بعيد من الرشاد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾
واختلف أهل التأويل في معنى الآيات التي وعد الله هؤلاء القوم أن يريهم، فقال بعضهم: عني بالآيات في الآفاق وقائع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنواحي بلد المشركين من أهل مكة وأطرافها، وبقوله: (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) فتح مكة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أبي قيس، عن المنهال، في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) قال: ظهور محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الناس.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) في أهل مكة، يقول: نفتح لك مكة.
وقال آخرون: عنى بذلك أنه يريهم نجوم الليل وقمره، وشمس النهار، وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق. وقالوا: عنى بالآفاق: آفاق السماء، وبقوله: (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) سبيل الغائط والبول.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات فى أنفسهم أيضا.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول، وهو ما قاله السديّ، وذلك أن الله عزّ وجلّ وعد نبيّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذّبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهدّدهم بأن