جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني تعالى ذكره : فَلَمّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين ويأخذ منهم واحدا مكانه وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك. وقوله : اسْتَيْأَسُوا استفعلوا، من يئس الرجل من كذا ييأس. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : فَلَمّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يئسوا منه ورأوا شدّته في أمره.
وقوله : خَلَصُوا نَجِيّا يقول بعضهم لبعض : يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم. والنجيّ جماعة القوم المنتجين يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال : رجل عدل ورجال عدل، وقوم زور وفطر، وهو مصدر من قول القائل : نجوت فلانا أنجوه نجيّا، جعل صفة ونعتا. ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا قول الله تعالى : وَقَرّبْناهُ نَجِيّا فوصف به الواحد، وقال في هذا الموضع : خَلَصوا نَجِيّا فوصف به الجماعة، ويجمع النّجِيّ أنجية، كما قال لبيد :
| وشَهدْتُ أنْجِيَةَ الأُفاقَةِ عالِيا | كَعْبِي وأرْدَافُ المُلُوكِ شُهُودُ |
| بُنَيّ بَدَا خِبّ نَجْوَى الرّجالِ | فَكُنْ عِنْدَ سِرّكَ خَبّ النّجِي |
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : خَلَصُوا نَجِيّا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ : فَلَمّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَلَوْا بينهم نجيّا يتناجون بينهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : خَلَصُوا نَجِيّا خلصوا وحدهم نجيّا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : خَلَصُوا نَجِيّا : أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا : ماذا ترون.
وقوله : قالَ كَبِيرُهُمْ اختلف أهل العلم في المعنيّ بذلك، فقال بعضهم : عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السنّ، وهو شمعون، قالوا : وكان روبيل أكبر منه في الميلاد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : قالَ كَبيرُهُمْ قال : هو شمعون الذي تخلف، وأكبر منه، وأكبر منهم في الميلاد روبيل.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا شبابة، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قالَ كَبيرهُمْ : شمعون الذي تخلف، وأكبر منه في الميلاد روبيل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد : قالَ كَبيرُهُمْ قال : شمعون الذي تخلف، وأكبرهم في الميلاد روبيل.
وقال آخرون : بل عَنَى به كبيرهم في السنّ وهو روبيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قالَ كَبيرُهُمْ وهو روبيل أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : قالَ كَبيرهُمْ قال : رُوبيل، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ : قالَ كَبيرُهُمْ في العلم أنّ أباكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثقا مِنَ اللّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ. . . الآية، فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب فأخبروه الخبر، فبكى وقال : يا بنيّ ما تذهبون مرّة إلاّ نقصتم واحدا، ذهبتم مرّة فنقصتم يوسف، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، وذهبتم الاَن فنقصتم روبيل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : فَلَمّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا قال : ماذا ترون ؟ فقال رُوبيل كما ذُكر لي، وكان كبير القوم : ألَمْ تَعْلَمُوا أنّ أباكمْ قَدْ أخَذَ عَلَيْكمْ مَوْثِقا مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنّنِي بِهِ إلاّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرّطْتُمْ فِي يُوسُفَ. . . الآية.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال : عنى بقوله : قالَ كَبيرُهُمْ رُوبيل لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنّا، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم : فلان كبير القوم مطلقا بغير وصل إلاّ أحد معنيين، إما في الرياسة عليهم والسؤدد وإما في السنّ، فأما في العقل فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه، فقالوا : هو كبيرهم في العقل، فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلاّ ما ذكرت. وقد قال أهل التأويل : لم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله : قالَ كَبِيرُهُمْ فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلاّ الوجه الآخر، وهو الكبر في السنّ، وقد قال الذين ذكرنا جميعا : رُوبيل كان أكبر القوم سنّا، فصحّ بذلك القول الذي اخترناه.
وقوله : ألَمْ تَعْلَمُوا أنّ أباكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقا مِنَ اللّهِ يقول : ألم تعلموا أيها القوم أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهود الله ومواثيقه لنأتينه به جميعا، إلاّ أن يُحاط بكم، ومن قبل فعلتكم هذه تفريطكم في يوسف يقول : أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف. وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه، كانت «ما » حينئذٍ في موضع نصب. وقد يجوز أن يكون قوله : وَمِنْ قَبْلُ ما فَرّطْتُمْ فِي يُوسُفَ خبرا مبتدأ، ويكون قوله : ألَمْ تَعْلَمُوا أنّ أباكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقا مِنَ اللّهِ خبرا متناهيا، فتكون «ما » حينئذٍ في موضع رفع، كأنه قيل : ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، فتكون «ما » مرفوعة ب «من » قبل هذا، ويجوز أن تكون «ما » التي تكون صلة في الكلام، فيكون تأويل الكلام : ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف.
وقوله : فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ التي أنا بها وهي مصر فأفارقها، حتى يَأْذَنَ لي أبي بالخروج منها، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ التي أنا بها اليوم، حتى يَأْذَنَ لي أبِي بالخروج منها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال شمعون : لَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حتى يَأْذَنَ لي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الحاكمِينَ.
وقوله : أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي : أو يفضَي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين، وإلاّ فإني غير خارج : وَهُوَ خَيْرُ الحاكمينَ يقول : والله خير من حكم وأعدل من فصَل بين الناس.
وكان أبو صالح يقول في ذلك بما :
حدثني الحسين بن يزيد السبيعيّ، قال : حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله : حتى يَأْذَنَ لي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي قال : بالسيف.
وكأن أبا صالح وجه تأويل قوله : أوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي إلى : أو يفضي الله لي بِحَربَ مَنْ منعني من الآنصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
= (أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) يقول: أستجير بالله من أن نأخذ بريئًا بسقيم، (١) كما:-
١٩٦١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون)، يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده إنَّا إذًا نفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس.
١٩٦١٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: (قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون)، قال يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرئوه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى يعلمَ أنّ في أرض مصر صدِّيقين مثلَه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾
قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره: (فلما استيأسوا منه) فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك.
* * *
١٩٦١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (فلما استيأسوا منه) يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره.
* * *
وقوله: (خلصوا نجيًّا)، يقول بعضهم لبعض يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم.
* * *
و"النجيّ"، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال:"رجل عدل، ورجال عدل"، و"قوم زَوْر، وفِطْر". وهو مصدر من قول القائل:"نجوت فلانا أنجوه نجيًّا"، جعل صفة ونعتًا. ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا، قول الله تعالى (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) [سورة مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في هذا الموضع: (خلصوا نجيًّا) فوصف به الجماعة، ويجمع"النجيّ" أنجية، كما قال لبيد:
| وَشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفَاقَةِ عَاليًا | كَعْبي وَأَرْدَافُ المُلُوكِ شُهُودُ (١) |
| وَغَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ | لَوْ كَانَ للنِّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ |
" مجرى داحس"، هو الخبر المشهور عن داحس والغبراء وإجرائهما، وكانت بسببه الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، وقوله:" سبتًا"، أي: دهرًا.
و" الأفاقة" اسم موضع، حيث كان اليوم المشهور بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي. و" أرداف الملوك"، من" الردف"، وهو الذي يكون مع الملك، وينوب عنه إذا قام من مجلسه.
| بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ | فَكُنْ عِنْدَ سرّكَ خَبَّ النَّجِيّ (٢) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: (خلصوا نجيًّا) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٩٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا) وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَلَوْا بينهم نجيًّا، يتناجون بينهم.
١٩٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (خلصوا نجيًّا) خلصوا وحدهم نجيًّا.
١٩٦٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (خلصوا نجيًّا) : أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟
* * *
وقوله: (قال كبيرهم) اختلف أهل العلم في المعنيِّ بذلك.
(٢) شرح الحماسة ٣: ١١٢، والشعر والشعراء: ٤٧٩، والخزانة ١: ٣٠٨، وغيرها، وهو من وصيته المشهورة التي أوصى بها ولده التي يقول فيها:
| أَشَابَ الصّغيرَ وَأَفْنَى الكَبيرَ | كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي |
| وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْريٍ | وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي |
*ذكر من قال ذلك:
١٩٦٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (قال كبيرهم) قال: هو شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه=أو: أكبر منهم= في الميلاد، روبيل.
١٩٦٢٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (قال كبيرهم) : ، شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه في الميلاد روبيل.
١٩٦٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٦٢٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: (قال كبيرهم)، قال: شمعون الذي تخلف، وأكبرهم في الميلاد روبيل.
* * *
وقال آخرون: بل عنى به كبيرهم في السن، وهو روبيل.
*ذكر من قال ذلك:
١٩٦٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قال كبيرهم)، وهو روبيل، أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.
١٩٦٢٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (قال كبيرهم)، قال: روبيل، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.
١٩٦٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا) قال: ماذا ترون؟ فقال روبيل كما ذكر لي، وكان كبير القوم: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف)، الآية.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عنى بقوله: (قال كبيرهم) روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم:"فلان كبير القوم"، مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا:"هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت.
وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون= وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسةٌ وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: (قال كبيرهم) فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر
* * *
وقوله: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله،) يقول: ألم تعلموا، أيها القوم؛ أنَّ أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه: (١) لنأتينه به جميعا، إلا أن يحاط بكم= (ومن قبل ما فرطتم في يوسف)، (٢) ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ = وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه، كانت"ما"حينئذ في موضع نصب.
وقد يجوز أن يكون قوله: (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) خبرا مبتدأ، ويكون قوله: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله) خبرًا متناهيًا فتكون"ما"حينئذ في موضع رفع، كأنه قيل:"ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف"= فتكون"ما" مرفوعة بـ"من"قبلُ.
هذا ويجوز أن تكون"ما"التي هي صلة في الكلام، (٣) فيكون تأويل الكلام: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف. (٤)
* * *
وقوله: (فلن أبرح الأرض) التي أنا بها، وهي مصر فأفارقها= (حتى يأذن لي أبي) بالخروج منها، كما:-
١٩٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (فلن أبرح الأرض) التي أنا بها اليوم= (حتى يأذن لي أبي)، بالخروج منها.
١٩٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
(٢) زدت نص الآية، وإن لم يكن ثابتًا في المخطوطة أو المطبوعة.
(٣) في المطبوعة:" التي تكون صلة"، ، وفي المخطوطة:" التي صلة"، ورجحت ما أثبت
= و" الصلة"، الزيادة، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.
(٤) في المطبوعة" تفريطكم في يوسف"، والصواب ما أثبت، لأن" ما" زائدة هنا.