٢٧٧- قال الشافعي : إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها : رحمة لخلقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه. فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ. فله الحمد على نعمه.
وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، بمثل ما نزل نصا. ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جُملا. قال الله :
وَإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمُ آياتنا بَيِّنأت قَالَ اَلذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىَ أَنُ اَبَدِّلَهُ مِن تلقائي نَفْسِىَ إِنَ اَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحى إِلَىَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فأخبر الله أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه. وفي قوله : مَا يَكُونُ لِىَ أَنُ اَبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءىْ نَفْسِىَ (١) بيان ما وصفت : من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه. كما كان المبتدئ لفرضه، فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحدٍ من خلقه.
وكذلك قال : يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثَبِّتُ وَعِندَهُ أُمُّ اَلْكِتَابِ (٢) وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية ـ والله أعلم ـ دلالة على أن الله جعل لرسوله أن يقول من تلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم ينزل به كتابا، والله أعلم. وقيل في قوله : يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاء (٣) يمحو فَرْضَ ما يشاء، ويثبت فرض ما يشاء. وهذا يشبه ما قيل، والله أعلم.
وفي كتاب الله دلالة عليه، قال الله : مَا نَنسَخْ مِنَ آية اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ (٤) فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله. وقال :{ وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ
مفترٍ }(٥). ( الرسالة : ١٠٦-١٠٨. ون أحكام الشافعي : ١/٣٣-٣٤. )
٢ - الرعد: ٣٩..
٣ - الرعد: ٣٩..
٤ - البقرة: ١٠٦..
٥ - النحل: ١٠١..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي