ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
فمن أظلم ممن افترى( ١ ) على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون( ١٧ ) :
وهنا يوضح القرآن على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم : أأكذب على الله ؟ إذا كنت لم أكذب عليكم أنتم في أموري معكم وفي الأمور التي جربتموها، أفأكذب على الله ؟ ! عن الذي يكذب في أول حياته من المعقول أن يكذب في الكبر، وإذا كنت لم أكذب عليكم أنتم، فهل أكذب على الله ؟
وإذا لم أكن قد كذبت وأنا غير ناضج التفكير، في طفولتي قبل أن أصل إلى الرجولة، فأنا الآن لا أستطيع الكذب. فإذا كنتم أنتم تتهمونني بذلك، فأنا لا أظلم نفسي وأتهمها بالكذب، فتصبحون أنتم المكذبين ؛ لأنكم كذبتموني في أن القرآن مبلغ عن الله، ولو أنني قلت : إنه من عند نفسي لكان من المنطق أن تكذبوا ذلك ؛ لأنه شرف يدعى. ولكن أرفعه إلى غيري ؛ إلى من هو أعلى مني ومنكم.
وقوله الحق : فمن أظلم أي : لا أحد أظلم ممن افترى على الله سبحانه كذبا ؛ لأن الكاذب إنما يكذب ليدلس على من أمامه، فهل يكذب أحد على من يعلم الأمور على حقيقتها ؟ لا أحد بقادر على ذلك. ومن يكذب على البشر المساوين له يظلمهم، لكن الأظلم منه هو من يكذب على الله سبحانه.
والافتراء كذب متعمد، فمن الجائز أن يقول الإنسان قضية يعتقدها، لكنها ليست واقعا، لكنه اعتقد أنها واقعة بإخبار من يثق به، ثم تبين بعد ذلك أنها غير واقعة، وهذا كذب صحيح، لكنه غير متعمد، أما الافتراء فهو كذب متعمد.
ولذلك حينما قسم علماء اللغة الكلام الخبري ؛ قسموه إلى : خبر وإنشاء، والخبر يقال لقائله : صدقت أو كذبت، فإن كان الكلام يناسب الواقع فهو صدق، وإن كان الكلام لا يناسب الواقع فهو كذب.
وقوله الحق : افترى على الله كذبا أو كذب بآياته يبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن قلتم إنني ادعيت أن الكلام من عند الله، وهو ليس من عند الله. فهذا يعني أن الكلام كذب وهو من عندي أنا، فما موقف من يكذب بآيات الله ؟
إن الكذب من عندكم أنتم، فإن كنتم تكذبونني وتدعون أني أقول إن هذا من الله، وهو ليس من الله، وتتمادون وتكذبون بالآيات وتقولون هي من عندك، وهي ليست من عندي، بل من عند الله ؛ فالإثم عليكم.
والكذب إما أن يأتي من ناحية القائل، وإما من ناحية المستمع، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم عدالة التوزيع في أكثر من موقع، مثلما يأتي القول الحق مبينا أدب النبوة : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين( ٢ ).. ( ٢٤ ) [ سبأ ].
وليس هناك أدب في العرض أكثر من هذا، فيبين أن قضيته صلى الله عليه وسلم وقضيتهم لا تلتقيان أبدا، واحدة منهما صادقة والأخرى كاذبة، ولكن من الذي يحدد القضية الصادقة من الكاذبة ؟ إنه الحق سبحانه.
وتجده سبحانه يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : أو في ضلال مبين . وفي ذلك طلب لأن يعرضوا الأمر على عقولهم ؛ ليعرفوا أي القضيتين هي الهدى، وأيهما هي الضلال( ٣ ).
وفي ذلك ارتقاء للمجادلة بالتي هي أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول الحق سبحانه : قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون... ( ٢٥ ) [ سبأ ] : أي : كل واحد سيسأل عن عمله، فجريمتك لن أسأل أنا عنها، وجريمتي لا تسأل أنت عنها. ونسب الإجرام لجهته ولم يقل :{ قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تجرمون " وشاء ذلك ليرتقى في الجدل، فاختار الأسلوب الذي يهذب، لا ليهيج الخصم ؛ فيعاند، وهذا من الحكمة ؛ حتى لا يقول للخصم ما يسبب توتره وعناده فيستمر الجدل بلا طائل.
وهنا يقول الحق سبحانه : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فإذا كان الظلم من جهتي ؛ فسوف يحاسبني الله عليه، وإن كان من جهتكم ؛ فاعلموا قول الحق سبحانه : إنه لا يفلح المجرمون ولم يحدد من المجرم، وترك الحكم للسامع.
كما تقول لإنسان له معك خلاف : سأعرض عليك القضية واحكم أنت، وساعة تفوضه في الحكم ؛ فلن يصل إلا إلى ما تريد. ولو لم يكن الأمر كذلك لما عرضت الأمر عليه.

١ افترى: اختلق. الفرية: الكذب. و" افترى" تفيد المبالغة في الكذب..
٢ هذا من باب اللف والنشر، وهو لون من ألوان البديع في القرآن، وتعريفه:"أن يذكر شيئان أو أشياء، إما تفصيلا بالنص على كل واحد أو إجمالا، بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم، ويفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به،(الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٣/٢٨٠، ٢٧٩) وهو هنا تفصيلي، وذلك مثل قوله تعالى:جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله..(٧٣)[القصص]، فالسكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار..
٣ وقد استخدم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج مع المشركين، فكانوا يقولون لهم:"والله ما نحن وإياكم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد" ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/٥٣٨) من قول قتادة. وهو دعوة لإعمال الفكر والعقل من جانب المشركين..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير