الزمان ستتحول قريبا، فتكون أمّة القرآن هي صاحبة العزّة والسّيادة، والخلافة في الأرض، إذا لازمت الطاعة، واتّبعت هدي القرآن وسنّة رسول الإسلام، كما جاء في آية أخرى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النّور: ٢٤/ ٥٥]. وقد تحقق هذا الوعد على مدى التاريخ الماضي، ويمكن أن يتحقق مرة أخرى إذا أحسن المسلمون أعمالهم، وساروا في فلك الهداية الرّبانيّة، واستظلّوا بظلّ راية القرآن المجيد.
مطالب المشركين العجيبة
لقد أبدى المشركون في عهد نزول الوحي الإلهي رغبات غريبة ومطالب عجيبة للتّهرب من الحقيقة، والعبث بالشريعة، فطالبوا بتبديل القرآن من أجل إقرار شركهم والرّضا عن كفرهم ووثنيتهم، ولم يدروا بأن إنزال القرآن من عند الله الذي يفعل ما يشاء، ويأمر بما يريد، ويختار ما هو حقّ وصواب، ويهدم ما كان باطلا وخطأ.
وليس أبطل مما أعلنه المشركون من التشكك في القرآن والطعن في نبوة الرسول المنزل عليه كلام الله، وصف القرآن هذا الموقف العجيب بقوله تعالى:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ١٥ الى ١٨]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)
«١» «٢»
(٢) لا يفوزون بمطلوب.
[يونس: ١٠/ ١٥- ١٨].
هذه الآيات إظهار للحجة القاطعة من الله على المشركين في التكذيب بالقرآن، والعكوف على عبادة الأصنام، وبيان واضح أن القرآن ليس من قبل النّبي محمد ولا هو من عنده، وإنما هو من عند الله، ولو شاء الله ما بعثه به، ولا تلاه عليهم، ولا أعلمهم به. فقولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أي من نمط آخر ليس فيه عيب آلهة المشركين، إنهم يريدون تبديل القرآن على حسب مزاجهم، بجعل آية مكان آية في الوعيد والطعن بهم. ومنشأ هذا المطلب: هو إنكارهم البعث والحساب، وتكذيبهم بالثواب والعقاب في الآخرة.
فردّ الله عليهم معلّما نبيّه أن يقول: ما يصح لي ولا من شأني أن أبدّل هذا القرآن من قبل نفسي، فليس هو كلامي، وإنما هو كلام الله، وإني لا أتبع فيه إلا ما يوحى إلي، وهو ما أبلّغكم به، إني أخشى إن خالفت وحي ربّي وأمره عذاب يوم عظيم الهول، شديد الوقع، وهو عذاب النار يوم القيامة.
بل قل لهم أيها الرّسول: لو شاء الله ألا أتلو هذا القرآن عليكم ما تلوته، ولو شاء الله ألا أعلمكم به أو أخبركم بأحكامه، وأنتم أعلم الناس بسيرتي، ولم تجرّبوني في كذب، بدليل أني مكثت بينكم أربعين سنة من قبل نزول القرآن، لا أتلو شيئا منه ولا أعلمه، أفلا تستعملون عقولكم وتتفكرون في أن من عاش أمّيّا أربعين عاما، لم يقرأ كتابا ولا تعلّم من أحد، لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وعلومه وشرائعه، ولم تستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا دليل على أن القرآن يتميّز بإعجازه التّام، لأنه كلام الله، وليس كلام بشر.
فلا أحد في البشر أظلم من رجلين: أحدهما- من افترى على الله الكذب بنسبة الشّريك أو الولد لله، أو بتبديل كلامه على النّحو الذي اقترحتموه، والثاني- من كذب بآيات الله البيّنة، فكفر بها، إنه لا يفوز المجرمون (أي الكافرون) في الآخرة.
وهذا دليل على عظم جرم المفتري على الله بعد بيانه الساطع بأن القرآن كلام الله، ودليل أيضا على أنه لا نجاة للكفار من العذاب الأخروي، ولن يحققوا أي فوز، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى.
وأي الموقفين أصحّ عقلا وأسلم عاقبة وأبين حقيقة: موقف الإيمان بربّ واحد خالق رازق، نافع مانع للضّر، أو موقف المشركين الذين يعبدون الأصنام، ويزعمون أن شفاعتها تنفعهم عند الله، أو أنهم وسطاء لهم بين يدي الله. فردّ الله عليهم بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ.. أي قل لهم أيها الرّسول: لا دليل لكم على ما تدّعون، أتخبرون الله بما لا وجود له في السّماوات ولا في الأرض، وما لا يعلم من وجود هؤلاء الشفعاء المزعومين، تنزه الله عن أن يكون له شريك أو معين، وتعاظم وتعالى علوّا كبيرا عما يشركون به من الشّفعاء والوسطاء، ويستحيل على الله وجود شيء من الشّرك أو الشّركاء الذين يشركونهم به.
وهذا تقريع وتوبيخ للمشركين في زعمهم وافترائهم بوجود أنباء في السماوات والأرض، لا يعلمها الله ولا وجود لها في الواقع.
وحدة المعبود والسّلطان الإلهي
تدلّ الفطرة الإنسانيّة الأصليّة في جميع البشر على الإقرار بوجود إله واحد، والإذعان لربّ واحد، له السّلطان الغيبي المطلق والتّصرف الشّامل في الكون
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي