ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون( ١ ) ( ١٨ ) : وكلمة ويعبدون تقتضي وجود عابد ؛ ووجود معبود ؛ ووجود معنى للعبادة. والعابد أدنى حالا من المعبود، ومظهر العبادة والعبودية كله طاعة للأمر والانصراف عن النهي عنه.
هذا هو أصل العبادة، ووسيلة القرب من الله.
وحتى تكون العبادة في محلها الصحيح لا بد أن يقر العابد أن المعبود أعلى مرتبة في الحكم على الأشياء، أما إن كان الأمر بين متساويين فيسمونه التماسا.
إذن : فهناك آمر ومأمور، فإن تساويا ؛ فالمأمور يحتاج إلى إقناع، وأما إن كان في المسألة حكم سابق بأن الآمر أعلى من المأمور ؛ كالأستاذ بالنسبة للتلميذ، أو الطبيب بالنسبة للمريض، ففي هذا الوضع يطيع المأمور الآمر لأنه يفهم الموضوع الذي يأمر فيه.
وكذلك المؤمن ؛ لأن معنى الإيمان أنه آمن بوجود إله قادر له كل صفات الكمال المطلق ؛ فإذا اعتقدت هذا ؛ فالإنسان ينفذ ما يأمر به الله ؛ ليأخذ الرضاء والحب والثواب. وإن لم ينفذ } فسوف ينال غضب المعبود وعقابه.
إذن : فأنت إن فعلت أمره واجتنبت نهيه ؛ نلت الثواب منه، وإن خالفت ؛ تأخذ عقابا ؛ لذلك لا بد أن يكون أعلى منك قدرة، ويكون قادرا على إنفاذ الثواب والعقاب، والقادر هو الله جل علاه.
أما الأصنام التي كانوا يعبدونها، فبأي شيء أمرتهم ؟ إنها لم تأمر بشيء ؛ لذلك لا يصلح أن تكون لها عبادة ؛ لأن معنى العبادة يتطلب أمرا ونهيا، ولم تأمر الأصنام بشيء ولم تنه عن شيء، بل كان المشركون هم الذين يقترحون الأوامر والنواهي، وهو أمر لا يليق ؛ لأن المعبود هو الذي عليه أن يحدد أوجه الأوامر والنواهي.
إذن : فمن الحمق( ٢ ) أن يعبد أحد الأصنام ؛ لأنها لا تضر من خالفها، ولا تنفع من عبدها، فليس لها أمر ولا نهي.
ومن أوقفوا أنفسهم هذا الموقف نسوا أن في قدرة كل منهم أن ينفع الصنم وأن يضره، فالواحد منهم يستطيع أن يصنع الصنم، وأن يصلحه إذا انكسر، أو يستطيع أن يكسره بأن يلقيه على الأرض. وفي هذه الحالة يكون العابد أقدر من المعبود على الضر وعلى النفع، وهذا عين التخلف العقلي.
إذن : فمثل هذه العبادة لون من الحمق، ولو عرضت هذه المسألة على العقل ؛ فسوف يرفضها العقل السليم.
وعندما تجادلهم، وتثبت لهم أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع، تجد من يكابر قائلا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهم بهذا القول يعترفون أن الله هو الذي ينفع ويضر، ولكن أما كان يجب أن يتخذوا شفيعا لهم عند الله، وأن يكون الشفيع متمتعا بمكانة ومحبة عند من يشفع عنده( ٣ ) ؟
ثم ماذا يقولون في أن من تقدم له شفاعة هو الذي ينهى عن اتخاذ الأصنام آلهة وينهى عن عبادتها ؟
وهل هناك شفاعة دون إذن من المشفوع عنده ؟ من أجل ذلك جاء الأمر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات و لا الأرض.. ( ١٨ ) [ يونس ].
إذن : فمن أين جئتم بهذه القضية ؛ قضية شفاعة الأصنام لكم عند الله ؟ إنها قضية لا وجود لها، وسبحانه لم يبلغكم أن هناك أصناما تشفع، وليس هذا واردا، فقولكم هذا فيه كذب متعمد وافتراء.
فهو سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، ويعلم كل ما في الكون، وقضية شفاعة الأصنام عنده ليست في علمه، ولا وجود لها، بل هي قضية مفتراة، مدعاة.
وقوله الحق هنا : أتنبئون الله مثلها نمثل قوله الحق : قل أتعلمون الله بدينكم.. ( ١٦ ) [ الحجرات ] : ويعني هذا القول بالرد على من قالوا ويقولون : إن المطلوب هو تشريعات تناسب العصر، وكلما فسد العصر طالبوا بتشريعات جديدة، وما داموا هم الذين يشرعون، فكأنهم يرغبون في تعليم خالقهم كيف يكون الدين، وفي هذا اجتراء وجهل بقدرة وحكمة من خلق الكون، فأحكمه بنظام.
وقوله الحق : قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون فيه تنزيه له سبحانه، فهو الخالق لكل شيء، خالق الملك والملكوت ويعلم كل شيء، وقضية شفاعة الأصنام إنما هي قضية مفتراة لا وجود لها ؛ لذلك فهي ليست في علم الله، والحق سبحانه منزه أن توجد في ملكه قضية لها مدلول يقيني ولا يعلمها، ومنزه جل وعلا عن أن يشرك به ؛ لأن الشريك إنما يكون ليساعد من يشركه، ونحن نرى على السبيل المثال صاحب مال يديره في تجارة ما، ولكن ماله لا ينهض بكل مسئوليات التجارة، فيبحث عن شريك له.
وسبحانه وتعالى قوي وقادر، ولا يحتاج إلى أحد في ملكية الكون وإدارته، ثم ماذا يفعل هؤلاء الشركاء المدعون كذبا على الله ؟.
إن الحق سبحانه يقول : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا( ٤ ) إلى ذي العرش سبيلا( ٤٢ ) [ الإسراء ] : وهذا القول الحكيم ينبه المشركين إلى أنه بافتراض جدلي أن لهؤلاء الشركاء قوة وقدرة على التصرف، فهم لن يفعلوا أي شيء إلا بابتغاء ذي العرش، أي : بأمره سبحانه وتعالى. وهم حين ظنوا خطأ أن لكل فلك من الأفلاك سيطرة على مجال في الوجود، وأن النجوم لها سيطرة على الوجود، وأن كل برج من الأبراج له سيطرة على الوجود، فلا بد في النهاية من الاستئذان من مالك الملك والملكوت.
ومن خيبة من ظنوا مثل هذه الظنون، ومعهم الفلاسفة الذين اقروا بأن هناك أشياء في الكون لا يمكن أن يخلقها إنسان، أو أن يدعي لنفسه صناعتها ؛ لأن الجنس البشري قد طرأ على هذه المخلوقات، فقد طرأ الإنسان على الشمس والقمر والنجوم والأرض، ولا بد إذن أن تكون هناك قوة أعلى من الإنسان هي التي خلقت هذه الكائنات. كل هذه الكائنات تحتاج إلى موجد، ولم نجد معامل لصناعة الشمس أو القمر أو الأرض أو وجدنا من ادعى صناعتها أو خلقها.
ولكن الفلاسفة الذين قبلوا وجود خالق للكون لم يصلوا على اسمه ولا إلى منهجه، وقوة الحق سبحانه مطلقة، ولا يحتاج إلى شريك له. وإذا أردنا أن نتأمل ولو جزءا بسيطا من أثر قوة الله التي وهبها للإنسان، فلنتأمل صناعة المصباح الكهربي.
وكل منا يعلم أنه لا توجد بذرة نضعها في الأرض، فتبنت أشجارا من المصابيح، بل استدعت صناعة مصباح الكهرباء جهد العلماء الذين درسوا علم الطاقة، واستنبطوا من المعادلات إمكان تصور صناعة المصباح الكهربي، وعملوا على تفريغ الهواء من الزجاجة التي يوضع فيها السلك الذي يضيء داخل المصباح، وهكذا وجدنا أن صناعة مصباح كهربي واحد تحتاج على جهد علماء وعمل مصانع، كل ذلك من أجل إنارة غرفة واحدة لفترة من الزمن. فما بالنا بالشمس التي تضيء الكون كله، وإذا كان أتفه الأشياء يتطلب كمية هائلة من العلم والبحث والإمكانيات الفنية والتطبيقية، وتطوير الصناعات، فما بالنا بالشمس التي تضيء نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم، و لا أحد يقدر على إطفائها، ولا تحتاج إلى صيانة من البشر، وإذا أردت أن تنسبها فلن تجد إلا الله سبحانه.
وأنت بما تبتكره وتصنعه لا يمكن أن يصرفك عن الله، والذكي حقا هو من يجعل ابتكاراته وصناعاته دليلا على صدق الله فيما أخبر.
وإذا كان الحق سبحانه قد خلق الشمس( ٥ )-ضمن ما خلق- وإذا أشرقت أطفأ الكل مصابيحهم ؛ لأنها هي المصباح الذي يهدي الجميع، وإذا كان ذلك هو فعل مخلوق واحد لله، فما بالنا بكل نعمة من سائر مخلوقاته. ونور الشمس إنما يمثل الهداية الحسية التي تحمينا من أن نصطدم بالأشياء فلا تحطمنا ولا نحطمها، فكذلك يضيء لنا الحق سبحانه المعاني والحقائق.
وإياك أن تقول : إن الفيلسوف الفلاني جاء بنظرية كذا ؛ فخذوا بها بل دع عقلك يعمل ويقيس ما جاء بهذه النظرية على ضوء ما نزل في كتاب الحق سبحانه، وإن دخلت النظرية مجال التطبيق، وثبت أن لها تصديقا من الكتاب، فقل : إن الحق سبحانه قد هدى فلانا على اكتشاف سر جديد من أسرار القرآن ؛ لأن الحق يريد منا أن نتعقل الأشياء وأن ندرسها دراسة دقيقة، بحيث نأخذ طموحات العقل ؛ لتقربنا إلى الله، لا لتبعدنا عنه، والعياذ بالله.
وإذا قال الحق سبحانه : سبحانه وتعالى عما يشركون فذلك لأن الشركة تقتضي طلب المعونة، طلب المعونة يكون إما من المساوي وإما من الأعلى، ولا يوجد مساو لله تعالى، ولا أعلى من الله سبحانه وتعالى.

١ قال الجوهري: الشرك الكفر. وأشرك يشرك إشراكا فهو مشرك وهم مشركون. وفي الحديث:"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل"، قال ابن الآثير: يريد به الرياء في العمل فكأنه أشرك في عمله غير الله. وفي الحديث:"من حلف بغير الله فقد أشرك".[اللسان: مادة (شرك) بتصرف]..
٢ الحمق: وضع الشيء في غير موضعه، والحمق: ضد العقل أو قلة العقل وضعفه. والحميقاء: الخمر؛ لأنها تعقب شاربها الحمق. والأحمق مأخوذ من انحماق السوق إذا كسدت، فكأنه فسد عقله حتى كسد. قال ابن الأعرابي: الحمق أصله الكساد. ويقال: الحمق الكاسد العقل. والحمق أيضا: الغرور. وانحمق الرجل: ضعف عن الأمر. [اللسان: مادة (حمق)]..
٣ يقول سبحانه:يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (١٠٩)[طه]، إن ادعاء المشركين أن الأصنام تشفع لهم عند الله- ادعاء باطل ومع بطلانه اعتراف نمنهم بأن الشفاعة لا تكون إلا من الله سبحانه وشفاعة الله لا تكون إلا لحبيب ومحبوب يعلمه فرضا وفضلا..
٤ ابتغوا: طلبوا. قال تعالى:لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور..(٤٨)[التوبة] [اللسان: مادة (بغى)]..
٥ يقول الحق سبحانه:ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله..(٢٥)[لقمان] ويقول سبحانه:وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر..(٣٣)[الأنبياء]، ويقول سبحانه:ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا..(٤٥)[الفرقان]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير