ﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

والآية كما عرفنا هي الشيء العجيب، وإما أن تكون آية كونية، أو آية إعجاز، أو آية قرآن تشتمل على الأحكام.
ولماذا لم يصدقوا آيات القرآن، وهي معجزة بالنسبة إليهم؟
نقول: إن استقبال القرآن فَرْع تصديق للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقد حدث اللبس عندهم؛ لأنهم ظنوا أن الآية هي الآيات المحسّة الكونية المشهودة، وما علموا أن الآيات التي سبق بها الرسل إنما جاءت لتناسب أزمان

صفحة رقم 5830

رسالاتم، ولتناسب مواقعهم من المرسل إليهم.
فقد كان الرسل السابقون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى جميع الرسل السلام قد بُعث كل منهم لأمة محدودة زماناً ومكاناً؛ ولذلك كانت الآيات التي اصطحبوها آيات حسية، وكل آية كانت من جنس ما نبغ فيه القوم المبعوث إليهم.
أما رسالة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فهي لعامة الزمان وعامة المكان. فلو جعل الله سبحانه له آية حسية لآمن بها مَنْ شاهدها، ولَصارَتْ خبراً لمن يشاهدها.
ونحن على سبيل المثال كمسلمين لم نصدِّق أن موسى عليه السلام قد ضرب البحر فانشق له البحر؛ إلا لأن القرآن قال ذلك؛ لأن كل أمر حسي يقع مرة واحدة فمن شاهده آمن به، ومن لم يره إن حُدِّث به له أن يكذِّب، وله أن يصدِّق، ولكنّا صدقنا؛ لأن القائل هو الحق سبحانه وقد أبلغنا ذلك في القرآن. وثقتنا فيمن قال هي التي جعلتنا نصدق معجزات الرسل السابقين على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقد يتساءل البعض عن السر في عدم إرسال معجزات حسية مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فنقول: لقد شاء الله سبحانه أن يرسل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمعجزة باقية إلى أن تقوم الساعة وهي معجزة القرآن. وتتحدث كتب السيرة أن الماء نبع من بين أصابعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فمن صدَّق صدَّق، وإن قرأت ولم تصدِّق ذلك، فاعلم أنك لست المقصود بها، فقد كان المقصود بها هم المعاصرون

صفحة رقم 5831

لها، وقد جاءت لتربيب الإيمان في القوم المعاصرين؛ لأنهم كانوا في حاجة إلى شَدِّ أزْرِهم الإيماني، وحدَّثتنا كتب السيرة أيضاً عن حفنة الطعام التي أكل منها عدد كبير من الرجال، ومن صدَّق الرواية؛ فليصدِّقها، ومَن لم يصدِّقها، فهذه الآية لم تأتِ له، لكنها جاءت للمعاصرين له صلى الله عليه وسلام.
وهذا لا يمنع أن يكون للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معجزات حسية كباقي إخوانه من الرسل علينا أن نؤمن بها بالثقة فيمن أخبر بها.
وهنا يقول الحق سبحانه: وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ وإن دخلت «لولا» على جملة اسمية، فالمقصود بها عدم شيء لوجود شيء، كقول إنسان لآخر: لولا زيد عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه إلى فلان لوجود زيد عنده.
وهكذا تكون «لولا» حرف امتناع لوجود، وكذلك كلمة «لوما» إن وجدتها تدخل على جملة اسمية فاعرف أنها امتناع شيء، لوجود شيء وإن دخلت «لولا» على جملة فعلية فاعلم أنها حثٌّ وتحضيض.
وهم هنا قد قالوا: لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ وكأنهم لا يعترفون بالقرآن، وطلبوا آية حسية؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر بالقرآن الكريم: لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى [القصص: ٤٨]
وهذا تأكيد أنهم طلبوا الآية الحسية؛ لأنهم علموا بالآيات الحسية للرسل السابقين على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ولكن قولهم هذا كان تشبثاً بالكفر

صفحة رقم 5832

رغم أنهم شهدوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في كل أحواله، وقد حدثت الآيات الحسية ورآها مَنْ آمن به، وزاد تمسكهم بالإيمان.
والذين طلبوا أن يأتي لهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمعجزة حسية، كمعجزة موسى عليه السلام، نسوا أن موسى عليه السلام قد بُعث إلى قوم محدودين هم بنو إسرائيل.
أما محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد بُعث إلى الناس كافة؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته متتجّدة العطاءات، وتحمل المنهج المناسب لكل زمان ومكان. أما المعجزة الحسية فهي تنقضي بانقضاء زمانها ومكانها.
أو هم طلبوا الآيات التي اقترحوها مثل قولهم: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء: ٩٠٩٣]
إذن: فهم قد طلبوا آيات اقترحوها بأنفسهم، والآيات لا تكون باقتراح المرسل إليهم، بل بتفضُّل المُرْسِل.

صفحة رقم 5833

ولقائلٍ أن يقول: ولماذا لم يُرسِل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا؟
فنقول: إن الحق سبحانه قد قال: وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون [الإسراء: ٥٩]
وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضاً؛ لأن الحق سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذَّب بها الأولون، أو هم طلبوا آيات اقترحوها، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ وفي هذا إقرار منهم بأن لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ربّاً، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُبلِّغ عنه، فكيف إذن يُنكرون أنه رسول؟!
ونعلم أنهم قالوا من قبل: «إن رب محمد قد قلاه» حين فتر الوحي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ولكن الحق سبحانه ردّ عليهم:
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى [الضحى: ٣]
إذن: هم قد ناقضوا أنفسهم، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون له ربُّ، وفي الهجر سلّموا بأن له ربّاً، وهذا تناقض في الشيء الواحد، وهو لون من التناقض يؤدي إلى اضطراب الحكم، واضطراب الحكم يدل على يقظة الهوى.

صفحة رقم 5834

ثم يقول الحق سبحانه رداً على طلبهم للآية الحسية: فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ وهكذا يُعلِّم الحق سبحانه وتعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جواباً احتياطياً، فمن الممكن أن يُنزل الحق سبحانه الآية الحسية، ومن الممكن ألا ينزلها، فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا يحكم على ربه؛ لأن الغيب أمر يخصه سبحانه، إن شاء جعل ما في الغيب مشهداً، وإن شاء جعل الغيب غيباً مطلقاً، وليس عليكم إلا الانتظار، ويعلن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه معهم من المنتظرين فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين [يونس: ٢٠]
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ

صفحة رقم 5835

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية