ويقول سبحانه بعد ذلك :
ويقولون لولا( ١ ) أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين( ٢٠ ) :
والآية كما عرفنا هي الشيء العجيب، وإما أن تكون آية كونية، أو آية إعجاز، أو آية قرآن تشتمل على الأحكام.
ولماذا لم يصدقوا آيات القرآن، وهي معجزة بالنسبة إليهم ؟
نقول : إن استقبال القرآن فرع تصديق للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حدث اللبس عندهم ؛ لأنهم ظنوا أن الآية هي الآيات المحسة الكونية المشهودة، وما علموا أن الآيات التي سبق بها الرسل إنما جاءت لتناسب أزمان رسالاتهم، ولتناسب مواقعهم من المرسل إليهم.
فقد كان الرسل السابقون لرسول الله صلى اله عليه وسلم-وعلى جميع الرسل السلام- قد بعث كل منهم لأمة محدودة زمانا ومكانا ؛ ولذلك كانت الآيات التي اصطحبوها آيات حسية، وكل آية كانت من جنس ما نبغ فيه القوم المبعوث إليهم.
أما رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فهي لعامة الزمان وعامة المكان( ٢ ). فلو جعل الله سبحانه له آية حسية لآمن بها من شاهدها، ولصارت خبرا لمن لم يشاهدها.
ونحن على سبيل المثال كمسلمين لم نصدق أن موسى-عليه السلام- قد ضرب البحر فانشق له البحر ؛ إلا لأن القرآن قال ذلك ؛ لأن كل أمر حسي يقع مرة واحدة فمن شاهده آمن به، ومن لم يره إن حدث به له أن يكذب، وله أن يصدق، ولكنا صدقنا ؛ لأن القائل هو الحق سبحانه وقد أبلغنا ذلك في القرآن. وثقتنا فيمن قال هي التي جعلتنا نصدق معجزات الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد يتساءل البعض عن السر في عدم إرسال معجزات حسية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول : لقد شاء الله سبحانه أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بمعجزة باقية إلى أن تقوم الساعة وهي معجزة القرآن. وتتحدث كتب السيرة أن الماء نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فمن صدق صدق، وإن قرأت ولم تصدق ذلك، فاعلم أنك لست المقصود بها، فقد كان المقصود بها هم المعاصرون لها، وقد جاءت لتربيب الإيمان في القوم المعاصرين ؛ لأنهم كانوا في حاجة إلى شد أزرهم الإيماني، وحدثتنا كتب السيرة أيضا عن حفنة الطعام التي أكل منها عدد كبير من الرجال، ومن صدق الرواية ؛ فليصدقها، ومن لم يصدقها، فهذه الآية لم تأت له، لكنها جاءت للمعاصرين له صلى الله عليه وسلم.
وهذا لا يمنع أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم معجزات حسية كباقي إخوانه من الرسل علينا أن نؤمن بها بالثقة فيمن أخبر بها.
وهنا يقول الحق سبحانه : ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه وإن دخلت " لولا " ( ٣ ) على جملة اسمية، فالمقصود بها عدم شيء لوجود شيء، كقول إنسان لآخر : لولا زيد عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه على فلان لوجود زيد عنده. وهكذا تكون " لولا " حرف امتناع لوجود، وكذلك كلمة " لوما " إن وجدتها تدخل على جملة اسمية فاعرف أنها امتناع شيء، لوجود شيء وإن دخلت " لولا " على جملة فعلية فاعلم أنها حث وتحضيض.
وهم هنا قد قالوا : لولا أنزل عليه آية وكأنهم لا يعترفون بالقرآن، وطلبوا آية حسية ؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر بالقرآن الكريم : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى( ٤٨ ) [ القصص ] : وهذا تأكيد أنهم طلبوا الآية الحسية ؛ لأنهم علموا بالآيات الحسية للرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قولهم هذا كان تشبثا بالكفر رغم أنهم شهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، وقد حدثت الآيات الحسية ورآها من آمن به، وزاد تمسكهم بالإيمان.
والذين طلبوا أن يأتي لهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية، كمعجزة موسى عليه السلام، نسوا أن موسى عليه السلام قد بعث إلى قوم محدودين هم بنو إسرائيل.
أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعث على الناس كافة ؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته متجددة العطاءات، وتحمل المنهج المناسب لكل زمان ومكان. أما المعجزة الحسية فهي تنقضي بانقضاء زمانها ومكانها.
أو هم طلبوا الآيات التي اقترحوها مثل قولهم : قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ( ٤ ) ( ٩٠ ) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا( ٩١ ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا( ٥ ) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( ٦ ) ( ٩٢ ) أو يكون لك بيت من زخرف( ٧ ) أو ترقى( ٨ ) في السماء ولن نؤمن لرقيك.. ( ٩٣ ) [ الإسراء ].
إذن : فهم قد طلبوا آيات اقترحوها بأنفسهم، والآيات لا تكون باقتراح المرسل إليهم، بل بتفضل المرسل.
ولقائل أن يقول : ولماذا لم يرسل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا ؟ فنقول : إن الحق سبحانه قد قال : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون.. ( ٥٩ ) [ الإسراء ].
وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضا( ٩ ) ؛ لأن الحق سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذب بها الأولون، أو هم طلبوا آيات اقترحوها، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم : لولا أنزل عليه آية من ربه وفي هذا إقرارا منهم بأن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربا، وهو صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه، فكيف-إذن- ينكرون أنه رسول ؟ !
ونعلم أنهم قالوا من قبل :" إن رب محمد قد قلاه( ١٠ ) " حين فتر( ١١ ) الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه رد عليهم : ما ودعك ربك وما قلى( ٣ ) [ الضحى ].
إذن : هم قد ناقضوا أنفسهم، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون له رب، وفي الهجر سلموا بأن له ربا، وهذا تناقض في الشيء الواحد، وهو لون من التناقض يؤدي إلى اضطراب الحكم، واضطراب الحكم يدل على يقظة الهوى( ١٢ ).
ثم يقول الحق سبحانه ردا على طلبهم للآية الحسية : فقل إنما الغيب لله وهكذا يعلم الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم جوابا احتياطيا، فمن الممكن أن ينزل الحق سبحانه الآية الحسية، ومن الممكن ألا ينزلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم على ربه ؛ لأن الغيب أمر يخصه سبحانه، وإن شاء جعل ما في الغيب مشهدا، وإنشاء جعل الغيب غيبا مطلقا، وليس عليكم إلا الانتظار، ويعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه معهم من المنتظرين فانتظروا إني معكم من المنتظرين( ٢٠ ) [ يونس ].
٢ وهذا مما خص به الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته، ويدل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" من حديث جابر بن عبد الله. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٥) ومسلم (٥٢١)..
٣ "لولا" حرف شرط لا يعمل، ويدل على امتناع الجواب لوجود الشرط وجملة الشرط اسمية (مبتدأ وخبر) ويحذف الخبر وجوبا إذا كان كونا عاما وإذا وليها مضمر يكون رفع منفصلا مثل:لولا أنتم لكنا مؤمنين..(٣١)[سبأ] وجملة الجواب فعلية وتقترن باللام إذا كانت مثبتة في الغالب وتتجرد منها إذا كانت منفية. قال تعالى:ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا..(٢١)[النور] وقد يحذف الجواب إذا دل عليه دليل كقوله تعالى:ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم(٢٠)[النور] القاموس القويم ج ٢/٢٠٧..
٤ الينبوع: العين الجارية والجدول الكثير الماء، والجمع ينابيع. (اللسان: مادة نبع)..
٥ كسفا: جمع كسفه وهي القطعة، والمراد: العذاب. قال تعالى:إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء..(٩)[سبأ].[اللسان: مادة (كسف)]..
٦ القبيل: الجماعة من أي شيء..
٧ زخرف: نقش وزينة وتمويه بالذهب. والزخرف: الذهب في غيره. قال تعالى:حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا..(٢٤)[يونس].[اللسان: مادة (زخرف)]..
٨ ترقى: تصعد، والرقي: الصعود. وفي الحديث:" كنت رقاء على الجبال" أي: صعادا عليها، وفعال للمبالغة. قال تعالى:كلا إذا بلغت التراقي (٢٦) وقيل من راق (٢٧)[القيامة]..
٩ الدحض: الدفع والبطلان. ومنه قوله تعالى:حجتهم داحضة..(١٦)[الشورى] أي: باطلة..
١٠ قلاه: أبغضه وتركه وتخلى عنه، عن جندب البجلي قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: قد ودع محمد. فأنزل الله عز وجل:والضحى(١) والليل إذا سجى(٢) ما ودعك ربك وما قلى (٣)[الضحى] أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٩٧) والترمذي في سننه (٣٣٤٥) وقال: حديث حسن صحيح. وقد أورد ابن كثير في تفسيره (٤/٥٢٢) من الطريق الذي أخرجه مسلم والترمذي إلى جندب بلفظ" فقال المشركون: ودع محمدا ربه"..
١١ فتر الوحي: انقطع..
١٢ أي: أنه يحكم هواه في كل تصرفاته ومنازع تفكيره، أي: يتخذ هواه إلها له، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه؛ لهذا يحدث التناقض. ويقول سبحانه:أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون(٢٣)[الجاثية]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي