قلت :( جاءتها ) " إذا " وجملة ( دعوا ) : بدل من " ظنوا " بدل اشتمال ؛ لأن دعاءهم من لوازم الظن.
ثم ذكر آية أخرى فقال : هو الذي يُسيركم بقدرته في البَرِّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك : السفن، وجَرَيْنَ بهم بمن فيهم، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، ففيه التفات. ومقتضى القياس : وجرين بكم بريح طيبةٍ : لينة الهبوب، وفَرحُوا بها لسهوله السير بها، جاءتها ريحٌ عاصفٌ أي : شديد الهبوب، وجاءهم الموجُ من كل مكانٍ من كل جهة لهيجان البحر حينئذ، وظنوا أنهم أحيطَ بهم أي : أهلكوا، أو سُدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدو.
قال ابن عطية : ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر، وأما ركوبه لطلب الدنيا والاستكثار فمكروه عند الأكثر. قلت : ما لم يكن لبلد تجري فيه أحكام الكفار على المسلمين وإلا حرم. ثم قال : وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع، وفي الحديث :" من ركب البحر في ارتجاجه فقد برِئَتْ منه الذمة " وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" البحر لا أركبه أبداً ".
وعن علي كرم الله وجهه أنه قال : لولا هذا الآية، لضربت عنق من يركب البحر. فقال ابن عباس : إني لأعلم كلمات من قالهُن عند ركوب البحر وأصابه عطب فعليّ ديته، قيل : وما هي ؟ قال : اللهم يا من له السماوات خاشعة، والأرضون السبع خاضعة، والجبال الراسية طائعة، أنت خير حفظاً وأنت أرحم الراحمين، وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الزمر : ٦٧ ] صلى الله على محمد النبي المصطفى، وعلى أهل بيته، وأزواجه وذريته، وعلى جميع النبيين والمرسلين، والملائكة المقربين، وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
[ هود : ٤١ ]. قال بعض الفضلاء : جربته فصح. ه.
ثم قال تعالى في وصف الكفار عند إحاطة البحر بهم : دعوا الله مخلصين له الدين من غير إشراك ؛ لتراجع الفطرة، وزوال المعارض من شدة الخوف، قائلين : لئن أنجيتنا من هذه الشدة لنكونن من الشاكرين .
ثم قال تعالى : هو الذي يُسيركم إليه في بر الشريعة، وبحر الحقيقة، فيقع السير بينهما، فإذا كانت الشريعة أقوى نقص له منها وزاد في حقيقته، وإذا قويت حقيقته نقص له منها إلى شريعته، هكذا حتى تعتدلا، فتكمل تربيته، فإذا ركبوا سفن الأفكار وساروا بأرواحهم في تيار البحار، فخاضوا بأفكارهم بحار التوحيد وأسرار التفريد، وجرت أفكارهم في عالم الملكوت بريح طيبة ـ وهي ريح السلوك ـ جاءتها ريح عاصف، وهي الواردات الإلهية، تأتي من حضرة القهار، لا تصادم شيئاً إلا دمغته، فإذا خافوا على نفوسهم صدمات الجذب أو المحْو ؛ دََعوا الله مخلصين له الدين، فلما ردهم إلى السلوك اشتغلوا برياضة نفوسهم بالمجاهدة والمكابدة، فبغوا عليها كما بغت عليهم في أيام غفلتهم. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي