من "المظلم"، فلما صار نكرة وهو من نعت "الليل "، نصب على القطع. وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك "حالا"، والكوفيون "قطعًا".
والوجه الآخر: على نحو قول الشاعر: (١)
* لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا * (٢)
والوجه الأوّل أحسن وجهيه.
وقوله: (أولئك أصحاب النار)، يقول: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهلُ النار الذين هم أهلها (٣)
= (هم فيها خالدون)، يقول: هم فيها ماكثون. (٤)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعًا، (٥) ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهةَ والأندادَ: = (مكانَكم)، أي:
(٢) ديوانه: ١١٣، في آخر قصيدة له، ورواية الديوان:
| لَوْ كان مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا | أحيي أُبُوَّتَكِ الشُّمَّ الأَمَادِيحُ |
وهذا شاهد.
(٣) انظر تفسير " أصحاب النار " فيما سلف من فهارس اللغة (صحب).
(٤) انظر تفسير " الخلود "، فيما سلف من فهارس اللغة (خلد).
(٥) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ١٣: ٥٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم، أيها المشركون، وشُركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان = (فزيّلنا بينهم)، يقول: ففرقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به.
* * *
= [من قولهم: "زِلْت الشيء أزيلُه "، إذا فرّقت بينه] وبين غيره وأبنته منه. (١) وقال: "فزيّلنا" إرادة تكثير الفعل وتكريره، ولم يقل: "فزِلْنا بينهم".
* * *
وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: (فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ)، كما قيل: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ)، [سورة لقمان: ١٨]، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في "فعَّلت"، يلحقون فيها أحيانًا ألفًا مكان التشديد، فيقولون: "فاعلت" إذا كان الفعل لواحدٍ. وأما إذا كان لاثنين، فلا تكاد تقول إلا "فاعلت". (٢)
* * *
= (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون)، وذلك حين (تبرَّأ الذين اتَّبعوا من الذين اتُّبعوا ورأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب، لما قيل للمشركين: "اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله"، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: "كنا نعبد هؤلاء"!، فقالت الآلهة لهم: (ما كنتم إيانا تعبدون)، كما:-
١٧٦٤٨- حدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يكون يومَ القيامة ساعةٌ فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون، فيقال: "هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله"، فتقول الآلهة: "والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا"! فيقولون: "والله لإيّاكم
(٢) انظر بيان هذا أيضًا في معاني القرآن للفراء ١: ٤٩٢، فهو نحو منه.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر