كذلك حقت كلمة ربك من الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون أي : كما حق الحق في الاعتقادات ؛ كذلك حقتْ أي : وجبت وثبتت كلمةُ ربك في اللوح المحفوظ أنهم لا يؤمنون ، وذلك في قوم مخصوصين. قال البيضاوي : أي : كما حقت الربوبية لله، أو أن الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق، كذلك حقت كلمة الله وحكمه، على الذين فسقوا : تمردوا في كفرهم، وخرجوا عن حد الإصلاح أنهم لا يؤمنون ، وهو بدل من الكلمة، أو تعليل لها، والمراد بها العِدَة بالعذاب. وقرأ نافع وابن عامر :" كلمات " بالجمع هنا، وفي آخر السورة، وفي غافر١. ه.
قال صلى الله عليه وسلم :" أَصْدَقُ كَلِمَةُ قَالَها الشاعِرُ كَلَِمَةُ لَبيدٍ : أَلا كُلُ شيءٍ... " الخ٣. فكل من صُرف عن شهود الحق إلى نظر السِّوى فهو في ضلال. قال تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ، لكن من حقت عليه كلمة الشقاء لا يُؤمن بأهل الفناء والبقاء، فلا يزال في تعب وشقاء ؛ إذ لا طريق إلى شهود الحق وإفراده بالوجود إلا بصحبة أهل الفناء والبقاء، الموصوفين بالكرم والجود، واعلم أن كل من لم يصل إلى مقام الشهود، فهو ضال عندهم في مذهبهم، وبالله التوفيق. ألا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللًّه بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلُ
الإشارة : قل من يرزقكم من سماء الأرواح علوم الأسرار والحقائق. ومن أرض النفوس علوم الشرائع والطرائق ؟ أمَّن يملك السمع والأبصار فيصرفهما إلى سماع الوعظ والتذكار، ونظر التفكر والاعتبار ؛ ليلتحق صاحبهما بالمقربين والأبرار، وقدَّم السمع لأنه أنفع لإيصال النفع إلى القلب من البصر. أم من يخرج الحي من الميت، فيخرج العارف من الجاهل، والذاكر من الغافل، أو يخرج القلب الحي من الميت ؛ بحيث يحييه بالمعرفة بعد الجهل ؟ ومن يدبر الأمر لخواص عباده ؟ أي : تدبيراً خاصاً، بحيث يقوم لهم بتدبير شؤونهم، حيث لم يدبروا معه. فمن لم يدبر دبر له، فالفاعل لهذه الأمور هو الحق المنفرد بالوجود، فكل ما سواه باطل، كما قال القائل٢ :
| ألا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللًّه بَاطِلُ | وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي