ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

قوله : كذلك إشارة إلى ما تقدم من رزق الله تعالى للبشر جميعا، ومن ملك السمع والبصر، ومن تدبير الأمر كله، ومن إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، ذلك هو الإله الحق سبحانه، وقد ثبت ذلك بسؤاله سبحانه وتعالى هذا السؤال الذي علم مقدما ألا إجابة له إلا بالاعتراف به إلها حقا : فماذا بعد الحق إلا الضلال.. ( ٣٢ ) .
ومثل هذه القضية تماما قول الحق سبحانه : حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون( ٣٣ ) [ يونس ] : لأنهم أساءوا الفهم في الوحدانية، وفي العقيدة، واستحقوا أن يعذبوا ؛ لأنهم صرفوا الحق إلى غير صاحب الحق.
وقد كان هذا خطابا للموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعضهم آمن بالله تعالى ؛ ولذلك فالعذاب إنما يحل على من لم يؤمن.
وهذا القول متحقق فيمن سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وكذلك حقت كلمة ربك على هؤلاء الذين فسقوا ولا ينتهون عن فسقهم وكفرهم، وإصرارهم على الانحراف بالعبودية لغير الله الأعلى والرب الحق سبحانه وتعالى.
والدليل على العلم الأزلي لله سبحانه ما نقرأه في سورة البقرة : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون( ٦ ) ( ١ )[ البقرة ] : إذن : معلوم لله تعالى من يؤمن ومن لا يؤمن، ومن يستمر ويصر على كفره ؛ هو الذي يلقى العذاب، ويعلم الله تعالى فيه أنه لن يؤمن.
ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يجادل به الكافرين بمنطق أحوالهم، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير، وتوجيه غيرهم إليه، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة، فكل قوم يوجهون إلى الخير بحسب معتقداتهم، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإله حكماء وأطباء وعلماء، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه.
ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه، ومما يسمعه من توجيهاتهم، فتجده يبتعد عن النار مثلا أو الكهرباء ؛ لأنه ترسخت في ذهنه توجيهات ونصائح غيره ؛ بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون أن تصيبه بالضرر.
إذن : يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير، ألا نجد في الدول غير المؤمنة بإله من يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن يسيروا فيها باتجاهين، والطرق التي عليهم أن يسيروا فيها باتجاه واحد ؟
ألا يوجد من يدل الناس على المنحنيات الخطرة على الطرق، وكذلك يوجههم إلى ضرورة خفض سرعة السيارات أمام مدارس الأطفال ؟ نعم، يوجد في البلاد غير المؤمنة من يفعل ذلك.
إذن : فالتفكير في الخير لصالح الأمم أمر طبيعي غريزي موجود في كل المجتمعات، وإذا كان التوجيه للخير يحدث من الإنسان المساوي للإنسان، ألا يكون الله سبحانه هو الأحق بالتوجيه إلى الخير، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيم حياته على الأرض، ولذلك يقول الحق سبحانه :
قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون( ٢ )( ٣٤ ) :

١ في الآية إشارة إلى مجتمع النفاق ومجتمع النفاق يعيش بين مجتمعين: المجتمع الإيماني مصدقا لقوله تعالى:أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون(٥)[البقرة]، والمجتمع الكافر مصدقا لقوله تعالى:والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب(٣٩)[النور]، ومجتمع النفاق أخطر من مجتمع النفاق أخطر من مجتمع الكفر، فالكفر معلن وأنا مستيقظ له، أما النفاق فهو خداع..
٢ الإفك: الكذب والإثم. أنى تؤفكون: كيف تكذبون؟![اللسان: مادة (أفك)] والإفك أخطر من الكذب، حيث إن الإفك في افتراء متخيل ومبالغة باهتة لها التأثير المضر على المجتمعات والأفراد؛ ولذلك يقول الحق:إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من إثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم(١١)[النور]، ولم يقل بالكذب مع أنه كذب، ولكنه عبر بالإفك، لأن فيه افتراء على كرامات الناس وقيم المجتمع..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير