ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون( ٤٤ ) :
كلمة " الله " هي اسم علم على واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال التي عرفناها في أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وإن كان لله تعالى كمالات لا تتناهى ؛ لأن الأسماء أو الصفات التي يحملها التسعة والتسعون اسما لا تكفي كل كمالات الله سبحانه، فكمالاته سبحانه لا تتناهى.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ( ١ ).
وإن سأل سائل : ولماذا يستأثر الله سبحانه ببعض من أسمائه في علم الغيب ؟ أقول : حتى يجعل لنا الله سبحانه في الآخرة مزيدا من الكمالات التي لم نكن نعرفها ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يفتح على رسوله صلى الله عليه وسلم " من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبله " ( ٢ ).
وهذا بعض من فيض لا ينفد من آفاق اسم علم على واجب الوجود، وصفات علم واجب الوجود، والتسعة والتسعون اسما التي نعلمها( ٣ ) هي اللازمة لحياتنا الدنيا، ولكننا سنجد في الآخرة صفات كمال أخرى، وكلمة " الله " هي الجامعة لكل هذه الأسماء، وعرفناها ؛ وما لم نعرفها.
والإنسان منا حين يقبل على عمل، فهذا العمل يتطلب تكاتف صفات متعددة، يحتاج إلى قدرة، وعلم، وحكمة، ولطف، ورحمة، غير ذلك من الصفات، فإن قلت : باسم القوي ؛ فأنت تحتاج إلى القوة، وإن قلت : باسم القادر ؛ فأنت تحتاج إلى القدرة، وإن قلت : باسم الحليم ؛ فأنت تحتاج إلى الحلم، وإن قلت : باسم الحكيم ؛ فأنت تحتاج إلى الحكمة، وإن قلت :" بسم الله " فهي تكفيك في كل هذا وغيره أيضا ؛ ولذلك يكون بدء الأعمال( ٤ ) ب " بسم الله "، فإذا احتجت إلى قدرة وجدتها، وإن احتجت إلى غنى وجدته، وإن احتجت إلى بسط( ٥ ) وجدته.
وكل الصفات الكمال أوجزها الحق سبحانه لنا في أن نقول :" بسم الله ". وحين تبدأ عملك باسم الله ؛ فأنت تقر بأن كل حول( ٦ ) لك موهوب من الله، والأشياء التي تنفعل لك، إنما تنفعل باسم الله، وكل شيء إنما يسخر لك باسم الله، وهو القائل :
أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون( ٧١ ) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون( ٧٢ ) [ يس ] : ولو لم يذلل الله لنا الأنعام والأشياء لتنفعل لنا ما استطعنا أن نملكها، بدليل أن الله تعالى قد ترك أشياء لم يذللها لنا حتى نتعلم أننا لا نستطيع ذلك، لا بعلمنا، ولا بقدرتنا، إنما الحق سبحانه هو الذي يذلل.
فأنت ترى الطفل في الريف وهو يسحب الجمل، ويأمره بالرقود ؛ فيرقد، ويأمره بالقيام ؛ فيقوم. أما إن رأينا ثعبانا فالكثير منا يجري ليهرب، ولا يواجهه إلا من له دربة على قتله. والبرغوث الصغير الضئيل قد يأتي ليلدغك ليلا، فلا تعرف كيف تصطاده ؛ لأن الله لم يذلله لك.
وكذلك الثمرة على الشجرة إذا قطفتها قبل نضجها تكون غير مستساغة، أما إن قطفتها بعد نضجها فأنت تستمتع بطعمها، ثم تأخذ منها البذرة لتعيد زراعتها، وتضمن بقاء النوع، بل إن الثمرة تسقط من على الشجرة حين تنضج وكأنها تنادي من يأكلها.
وكذلك الإنسان حين يبلغ، أي : يصبح قادرا على أن ينجب غيره، فيكلفه الله بعد ذلك بالتكاليف الإيمانية ؛ لأنه لو كلفه قبل ذلك( ٧ ) ثم طرأت عليه مشاكل المراهقة ؛ فقد لا يستطيع أن يحتمل التكليف.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن يخلق من عدم، وأن يربي حتى يكتمل الإنسان، ثم حدد التكليف من لحظة البلوغ، ووضع شرط اكتمال العقل والرشد، وألا توجد آفة أو جنون.
ولا أقوى من الله سبحانه يمكن أن يكلف لتفعل غير ما يريد الله ؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف، أما المجنون فلم يكلفه الله سبحانه، وكذلك يسقط التكليف عن المكره ؛ لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين البدائل، وهذه منتهى العدالة في التشريع.
وأنت حين تستقبل التكليف عليك ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات، لأنها لا تأخذ من حريتك، بل تحترم أنت حرية الآخرين، ويحترمون هم حريتك، فإن حرم عليك أن تسرق، فهو سبحانه قد حماك بأن حرم على جميع الخلق أن يسرقوا منك( ٨ ). إذن : فالقيد قد جاء لصالحك.
وهب أنك أطلقت يدك في الناس، فماذا تصنع لو أطلقوا هم أياديهم فيما تملك ؟
وحين حرم عليك التكليف أن تنظر إلى محارم غيرك، فهو قد حرم على الغير أن ينظروا على محارمك.
وحين أمرك أن تزكي، فهو قد أخذ منك ؛ ليعطي الفقير من المال الذي استخلفك الله فيه.
فلا تنظر على ما أخذ منك، بل انظر إلى ما قد يعود عليك إن أصابك القدر بالفقر، والشيء الذي تستشعر أنه يؤخذ منك فالله سبحانه يعطيك الثواب أضعافا كثيرة( ٩ ).
وبعد ذلك انظر على حركة الحياة، وانظر على ما حرم الله تعالى عليك من أشياء، وما حلل لك غير ذلك، فستجد المباح لك أكثر مما منعك عنه.
إذن : فالتكليف لصالحك. ثم بعد كل ذلك : أيعود شيء مما تصنع من تكاليف على الحق سبحانه ؟ لا. أيعطيه صفة غير موجودة ؟ لا ؛ لأن الحق سبحانه قد خلقنا بكل صفات كماله، وليس في عملنا ما يزيده شيئا.
إذن : فمن المصلحة أن تطبق التكاليف لأنها تعود عليك أنت بالخير.
وانظر-مثلا- إلى الفلاح في الحقل، إنه يحرث الأرض، وينقل السماد، ويبذر، ويروي ويتعب، وبعد ذلك يستريح في انتظار الثمار.
وأنت حين تنفذ تكاليف الحق( ١٠ ) سبحانه فأنت تجد العائد، وأنت ترى في حياتك أن الفلاح الكسول يصاب بحسرة يوم الحصاد، فما بالنا بحساب الآخرة.
والفلاح الذي يأخذ من مخزنه إردبا ؛ ليزرعه، وهو في هذه الحالة لا ينقص مخزنه ؛ لأنه سيعود بعد فترة بخمسة عشر إردبا.
وهكذا من ينفذ التكاليف يعود عليه كل خير ؛ ولذلك أقول : انظر في استقبالات منهج الله تعالى فيما تعطيه، لا فيما تأخذه.
وهكذا ترى أنه لا ظلم ؛ لأننا صنعة الله، فهل رأيتم صانعا يفسد صنعته ؟
إذن : فالصانع الأعلى لا يظلم صنعته ولا يفسدها أبدا، بل يحسنها ويعطيها الجمال والرونق( ١١ ) ؛ لذلك يقول الحق سبحانه : إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون( ٤٤ ) [ يونس ] : أي : أن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ومن الظلم جحد الحق، وهذا هو الظلم الأعلى، ومن الظلم أن يعطي الإنسان نفسه شهوة عاجلة ؛ ليذوق من بعد ذلك عذابا آجلا، وهو بذلك يحرم نفسه من النعيم المقيم، وهو حين يظلم نفسه يكون قد افتقد القدرة على قياس عمره في الدنيا، فالعمر مهما طال قصير، وما دام الشيء له نهاية فهو قصير.
والحق سبحانه وتعالى حين يخاطب الناس، فهو قد نصب آيات باقية إلى أن تقوم الساعة، وكلهم شركاء فيها، وهي الآيات الكونية( ١٢ )، وبعد ذلك خص كل رسول بآية ومعجزة، وأنزل منهجا ب " افعل " و " لا تفعل "، وبين في آيات الكتاب ما المطلوب فعله، وما المطلوب أن نمتنع عنه( ١٣ )، وترك لك بقية الأمور مباحة.
والمثال الذي أضربه دائما : هو التلميذ الذي يرسب آخر العام، هذا التلميذ لم تظلمه المدرسة، بدليل أن غيره قد نجح ؛ لذلك لا يصح أن يقال : إن المدرسة أسقطت فلانا، ولكن الصحيح أن نقول : إن فلانا قد أسقط نفسه، وأن زميله قد أنجح نفسه، ودور المدرسة في ذاك هو إعلان النتيجة.
ومن الظلم أيضا أن يستكثر الظالم نعمة عند المظلوم، فيريد أن يأخذها منه، ولا يمكن أن يكون الحق سبحانه وتعالى ظالما يستكثر نعم عباده ؛ لأنه منزه عن ذلك ؛ فضلا عن أن خلقه ليس عندهم نعم يريدها هو، فهو الذي أعطاها لهم ؛ ولذلك لا يأتي منه سبحانه أي ظلم، وإن جاء الظلم فهو من الإنسان لنفسه.
٢ وذلك في يوم القيامة في مقام شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تأخر إخوانه منة الأنبياء عنها، وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي تحت العرش فيقع ساجدا، ثم يفتح الله عليه من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبله. ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فيرفع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه ويقول:"يا رب أمتي، أمتي". من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧١٢)، ومسلم في صحيحه(١٩٤)..
٣ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" أخرجه البخاري في صحيحه (٧٣٩٢) ومسلم(٢٦٧٧) وقد ورد ذكر أسماء الله الحسنى بالتفصيل في رواية أخرى عن أبي هريرة أخرجها الترمذي في سننه(٣٥٠٧) وابن ماجه (٣٨٦١) وطريق الترمذي أصح..
٤ أخرج الإمام احمد في مسنده (٢/٣٥٩) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كل كلام-أو أمر-ذي بال لا يفتح بذكر الله عز وجل فهو أبتر-أو قال: أقطع"..
٥ أي: أن يبسط في رزقك، فهو سبحانه الباسط. يقول سبحانه وتعالى:{الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر..(٢٦)[الرعد]..
٦ الحول: القوة، والحيلة والقدرة على تسيير أمورك في الحياة..
٧ لما استطاع القيام بما كلف به لأنه ليس بالغا؛ ولذلك كان التكليف مصاحبا للبلوغ؛ ليكون هناك توازن تربوي يروض النفس إلى مرادات الله، ولو قام الصبي بالتكاليف فله ثواب..
٨ عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"أخرجه مسلم في صحيحه(٤١) فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم السلامة من الإيذاء سواء باللسان أو اليد علامة على حسن إسلام العبد..
٩ يقول الله-عز وجل- في كتابه الكريم:إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما(٤٠)[النساء]. وقد قال عز وجل:والذين هم للزكاة فاعلون(٤)[المؤمنون]-خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم..(١٠٣)[التوبة]-والذين في أموالهم حق معلوم(٢٤) للسائل والمحروم(٢٥)[المعارج]..
١٠ تكاليف الحق سبحانه هي أوامره ونواهيه، يكلف بها الله من آمن به، ومثله قوله تعالى:قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(١٥١) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون(١٥٢) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(١٥٣)[الأنعام].
١١ وفي هذا يقول رب العزة:الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين(٧)[السجدة] ويقول في آية أخرى:الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم..(٦٤)[غافر]..
١٢ قد جعل الله في الكون آيات خاطب بها الله كل الناس ليتفكروا فيها وليصولا بها على أن لهذا الكون خالقا واحدا، وقد جمعها الله في قوله تعالى:إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون(١٦٤)[البقرة]..
١٣ وذلك في نحو قوله تعالى:قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(١٥١[الأنعام]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي