ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

قوله : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ تقدَّم الكلامُ على " إِمَّا " هذه [ البقرة٣٨ ]، وقال ابن عطيَّة(١) :" ولأجلها، أي : لأجلِ زيادةِ " ما "، جاز دخولُ النون الثقيلة، ولو كانت " إِنْ " وحدها لم يَجُزْ " أي : إنَّ توكيد الفعل بالنُّونِ مشروطٌ بزيادة " ما " بعد " إنْ "، وهو مخالفٌ لظاهرِ كلام سيبويه، وقد جاء التَّوكيد في الشَّرط بغير " إنْ " ؛ كقوله :[ الكامل ]

مَنْ نَثْقَفَنْ مِنهُمْ فليْسَ بآيبٍ أبَداً وقَتْلُ بَنِي قُتَيبةَ شَافِي(٢)
قال ابن خروف : أجاز سيبويه : الإتيان ب " ما "، وألاَّ يؤتى بها، والإتيانُ بالنون مع " ما "، وألاَّ يؤتى بها، والإراءَةُ هنا بصريَّة ؛ ولذلك تعدَّى الفعلُ إلى اثنينِ بالهمزة، أي : نجعلك رائياً بعض الموعُودين، أو بمعنى : الذي نعدُهم من العذاب، أو نتوفَّيَنَّكَ قبل أن نُريكَ ذلك، فإنَّك ستراه في الآخرة.
قال مجاهد : فكان البعضُ الذي رآه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موته(٣).
قوله : فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ مبتدأ وخبر، وفيه وجهان :
أظهرهما : أنَّه جوابٌ للشَّرطِ، وما عُطِفَ عليه، إذ معناه صالحٌ لذلك، وإلى هذا ذهب الحوفيُّ، وابنُ عطيَّة.
والثاني : أنَّهُ جوابٌ لقوله :" أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ "، وجواب الأول محذُوف.
قال الزمخشري :" كأنَّه قيل : وإمَّا نُرينَّكَ بعضَ الذي نعدهُم فذاك، أو نتوفَّينَّك قبل أن نُريك، فنحن نُريك في الآخرة ".
قال أبو حيَّان :" فجعل الزمخشريُّ في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجة إلى تقدير جواب محذوف ؛ لأنَّ قوله : فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ صالحٌ لأن يكون جواباً للشَّرطِ، والمعطوف عليه، وأيضاً : فقول الزمخشريّ :" فذاك " هو اسمٌ مفردٌ، لا ينعقدُ منه جوابُ شرطٍ، فكان ينبغي أن يأتي بجملة يصح منها جواب الشرط، إذ لا يفهمُ من قوله :" فَذَاكَ " الجزء الذي حذف، وهو الذي تحصل به فائدة الإسناد ".
قال شهاب الدِّين :" قد تقرَّر : أنَّ اسم الإشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر، وهو بلفظِ الإفراد ؛ فكأنَّ، ذاكَ واقعٌ موقع الجملة الواقعة جواباً، ويجُوزُ أن يكون قد حُذف الخبرُ ؛ لدلالةِ المعنى عليه، إذ التَّقديرُ : فذاك المرادُ، أو المتمنَّى، أو نحوه ".
وقوله :" إذْ لا يُفْهم الجزء الذي حذف " إلى آخره، ممنوعٌ، بل هو مفهومٌ كما بينا ؛ وهو شيءٌ يتبادر إلى الذِّهن.
قوله : ثُمَّ الله شَهِيدٌ " ثم " ليست هنا للتَّرتيب الزَّماني، بل هي لترتيب الأخبار، لا لترتيب القصص في أنفسها، قال أبو البقاء :" كقولك : زيدٌ عالمٌ، ثم هو كريم ".
وقال الزمخشريُّ :" فإن قلت : الله شهيدٌ على ما يفعلُون في الدَّاريْن، فما معنى " ثم " ؟.
قلت : ذكرت الشهادة، والمراد : مقتضاها، ونتيجتها، وهو العقاب ؛ كأنَّه قيل : ثم الله معاقبٌ على ما يفعلون ".
وقرأ إبراهيم(٤) بن أبي عبلة :" ثَمَّ " بفتح الثاء، جعله ظرفاً لشهادة الله ؛ فيكون " ثَمَّ " منصوباً ب " شَهِيدٌ " أي : اللهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حشرهم، ويجوز أن يكون ظرفاً لِ " مَرْجعُهم " أي : فإليْنَا مرْجِعُهم، يعني : رجوعهم في ذلك المكانِ، الذي يُثَاب فيه المُحْسِن، ويعاقبُ فيه المُسيء.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٢٣..
٢ تقدم..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٥٦)..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٠، البحر المحيط ٥/١٦٤، الدر المصون ٤/٣٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية