(إِمَّا) هي (إنْ) الشرطية المدغمة في " ما " و " ما " لتقوية الشرط، وجاءت بعد نون التوكيد الثقيلة.
وأن نريك بعض الذي نعدهم من الدنيا في خذلان وإعلاء لكلمة الحق وجعل النصر للمؤمنين، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الحق هي العليا وضياع سلطانهم وجعل السلطان في بلاد العرب لله ولرسوله، إن نريك هكذا تكن العزة، فجواب الشرط محذوف تؤخذ دلالته من الشرط نفسه، وقد رأى النبي - ﷺ - ما وعده ربه وما أوعدهم به.
(أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ) هو الغرض الثاني وهو مغطوف على الشرط السابق، أي يتوفاك اللَّه الذي خلقك ونصرك وأعزك (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ)، أي إنْ تحضر النصر على الكافرين جميعا وكان منهم من بقي على كفره أو كان إسلامه على نفاق كالأعراب الذين ارتدوا أو ممن لم تبلغهم الدعوة في حياتك ثم بلغهم الإسلام بعد وفاتك (فَإِلَيْنَا مرْجِعُهُمْ)، وقدَّم الجار والمجرور على (مَرْجِعُهُمْ) للإشارة إلى أن للَّه وحده المرجع والمآب، وهو الرقيب عليهم في الدنيا والمحاسب لهم في الآخرة، ينزل العقاب لمن كفر، والثواب لمن آمن واهتدى وآثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.
وإن اللَّه شهيد على ما يفعلون ويعطي الثواب والعقاب؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) كلمة (ثُمَّ) للترتيب والتراخي، والترتيب ترتيب معنوي فالله تعالى شهيد على ما فعلوا في حياة النبي - ﷺ - وما يفعلون بعده، ولكنه فرق بين رؤية النبي فيما يقع حسا، وبين ما ينزل بهم إلى علم اللَّه عالم الغيب والشهادة الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض.
والبعد الذي تدلى عليه كلمة (ثُمَّ) هو البعد المعنوي بين رؤية الإنسان وشهادة اللَّه تعالى (اللَّهُ شَهِيدٌ) أي عالم علم من يشهد ويرى كرؤيتك المؤكدة، فهو عالم علم المشاهدة بما يفعلون آنًا بعد آنٍ، أي بما يتجدد في فعلهم وهو سبحانه يحاسبهم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإليه المآب.
* * *
لكل أمة رسول
قال تعالى:
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)
* * *
إن اللَّه تعالى لَا يظلم الناس فما كان ليعاقب إلا بعد أن يبين الحق ويدعو إلى الرشاد، وينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، ولذلك كان لكل أمة رسول كما قال سبحانه: (... وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير).
وقد اتجه المفسرون في قوله تعالى لكل أمة رسول اتجاهين:
الاتجاه الأول - أن ذلك يوم القيامة حيث يجيء كل رسول يشهد لأمته بما كسبت ويشهد عليها بما اكتسبت فيقضى بينهم بالقسط، أي بالعدل الموزون بميزان الحق وهم لَا يظلمون، أي أن القضاء يكون الإنصاف فلا ظلم قط.
والاتجاه الثاني - أن هذا نظام اللَّه تعالى الذي سنه في الدنيا يرسل لكل أمة رسولا، ونكَّر كلمة
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة