ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط( ١ ) وهم لا يظلمون( ٤٧ ) :
والحق سبحانه لا يظلم أحدا، ولا يعذب قوما إلا بعد أن يكفروا بالرسول الذي أرسله إليهم، وهو سبحانه القائل : وإن من أمة إلا خلا( ٢ ) فيها نذير ( ٢٤ ) [ فاطر ]، وهو سبحانه القائل أيضا : لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون( ١٣١ ) [ الأنعام ] : فلا تجريم ولا عقوبة إلا بنص وببيان لتجريم هذا الفعل أو ذاك، بإرسال الرسل ؛ حتى لا يحتج أحد بأنه لم يصل إليه شيء يحاسب بمقتضاه.
والحق سبحانه هنا يبين أن لكل أمة رسولا يتعهدها بأمور المنهج.
وقد خلق الحق سبحانه كل الخلق، وكانوا موحدين منذ ذرية آدم- عليه السلام- ثم اقتضت الأحداث أن يتباعدوا، وانتشروا في الأرض، وصارت الالتقاءات بعيدة، وكذلك المواصلات، وتعدد الآفات بتعدد البيئات.
ولكن إذا تقاربت الالتقاءات، وصارت المواصلات سهلة، فما يحدث في الشرق تراه في لحظتها وأنت في الغرب، فهذا يعني توحد الآفات أو تكاد تكون واحدة ؛ لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، أما في الأزمنة القديمة، فقد كانت أزمة انعزالية، تحيا كل جماعة بعيدة عن الأخرى ؛ ولذلك كان لابد من رسول لكل جماعة ؛ ليعالج داءات البيئة، أما وقد التقت البيئات، فالرسول الخاتم يعالج كل الداءات( ٣ ). ولذلك يقول الحق سبحانه : ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( ٤٧ ) [ يونس ]، وقد حكى التاريخ لنا ذلك، فكل رسول جاء آمن به البعض، وكفر به البعض الآخر، والذين آمنوا به انتصروا، ومن كفروا به هزموا. أو أن الآية عامة ولكل أمة رسول أي : تنادى كل أمة يوم القيامة باسم رسولها، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويا أمة موسى، ويا أمة عيسى... الخ.
والحق سبحانه يقول : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا( ٤ )( ٤١ ) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا( ٤٢ ) [ النساء ].
إذن : فالحق سبحانه هنا يبين أن لكل أمة رسولا جاءها بالبلاغ عن الله، وقد آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وما دام الإيمان قد حدث-وكذلك الكفر-فلا بد من القضاء بين المؤمنين والكافرين.
لذلك يقول الحق سبحانه : فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( ٤٧ ) [ يونس ] : وما دام في الأمر قضاء، فلا بد أن المؤمن يعتبر الكافر منازعا له، وأن الكافر يعتبر المؤمن منازعا له، ويصير الأمر قضية تتطلب الحكم ؛ لذلك يقول الحق سبحانه : قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( ٤٧ ) [ يونس ] :
أي : يقضى بينهم بالعدل، فالمؤمنون يتقصى الحق سبحانه حسناتهم ويزيدها لهم، أما الكافرون فلا توجد لهم حسنات ؛ لأنهم كفروا بالله الحق ؛ فيوردهم النار، وهم قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي يوم يسألون فيه عن كل شيء، فاستبعدوا ذلك وقالوا : أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون( ١٦ ) وآباؤنا الأولون( ١٧ ) [ الصافات ] : لقد تعجبوا من البعث وأنكروه، لكنهم يجدونه حتما وصدقا.
ويشاء الحق سبحانه أن يدخل عليهم هذه المسألة دخولا إيمانيا، فيقول : أفعيينا بالخلق الأول.. ( ١٥ ) [ ق ] : فأنتم إذا متم وتحللتم في التراب، أيعجز الله سبحانه أن يخلقكم من جديد ؟ لا ؛ إنه سبحانه القائل : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ( ٤ ) [ ق ] : أي : أنه سبحانه يأمر العناصر الخاصة بكل إنسان أن تتجمع كلها، وليس هذا بعسير على الله الذي خلقهم أولا.
وهم قد كذبوا واستنكروا واستهزأوا بمجيء يوم القيامة والبعث، وبلغ استهزاؤهم أن استعجلوا( ٥ ) هذا اليوم، وهذا دليل جهلهم، وكان على الواحد منهم أن يفر من هول ذلك اليوم.
ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك على ألسنتهم : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين( ٤٨ ) :

١ قسط يقسط-كضرب-قسطا وقسوطا، وقسط يقسط قسطا كنصر: ظلم أو عدل، من الأضداد، وتفهم بالقرائن، واستعمله القرآن بمعنى ظلم في قوله تعالى:وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا(١٥)[الجن] وأقسط: عدل وأزال الظلم، واستعمله القرآن بمعنى العدل في قوله تعالى:قل أمر ربي بالقسط..(٢٩)[الأعراف]. والقسطاس: الميزان والعدل."القاموس القويم"..
٢ خلا: مضى وسلف. ومنه قوله تعالى:كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (٢٤)[الحاقة] أي: الماضية..
٣ وذلك لأن رسالة الإسلام هي جماع القيم لكل دين سابق، مصدقا لقوله تعالى:شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب(١٣)[الشورى]..
٤ عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقرأ علي" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل. قال:"نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرات سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية:فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا(٤١)[النساء] فقال صلى الله عليه وسلم:"حسبك الآن" فإذا عيناه تذرفان. أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٥٠) وأحمد في مسنده (١/٣٨٠).
واللغة تقول: الشهيد صيغة مبالغة في الشاهد، والشهيد من أسماء الله الحسنى:{عن الله كان على كل شيء شهيدا(٣٣)
[النساء] وقوله:ولا يضار كاتب ولا شهيد..(٢٨٢)[البقرة] أي شاهد. والشهيد من قتل في سبيل الله، والشهادة: خبر قاطعن والشاهد اسم فاعل وجمعه شهد وشهود.[القاموس القويم]..

٥ وقد قال رب العزة عنهم:ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده..(٤٧)[الحج]، ويقول سبحانه في آية أخرى:ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب..(٥٣)[العنكبوت}..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير