والرسول صلى الله عليه وسلم يبرئ نفسه من كل حول وطول( ١ )، ويعلن ما أمره الحق سبحانه أن يعلنه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ؛ لأن النفع أو الضر بيد خالقه سبحانه، وهو سبحانه وتعالى خالقكم، وكل أمر هو بمشيئته سبحانه.
وهذه الآية جاءت ردا على سؤالهم الذي أورده الحق سبحانه في الآية السابقة : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين( ٤٨ ) [ يونس ] : لقد تساءلوا بسخرية عن هذا الوعد بالعذاب، وكأنهم استبطأوا نزول العذاب تهكما، وهذا يدل على أن قول الحق سبحانه : ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( ٤٧ ) [ يونس ] : هذه الآية لم تنزل ليوم القيامة، بل نزلت لتوضح موقف من كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قالوا بعد ذلك : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين( ٤٨ ) [ يونس ] : وهذا يعني أنهم قالوا هذا القول قبل أن تقوم القيمة، والآية التي توضح أن لكل أمة رسولا تؤيدها آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا( ١٥ ) [ الإسراء ]، وكذلك قول الحق سبحانه : لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون( ١٣١ ) [ الأنعام ]، وكذلك قول الحق سبحانه : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا.. ( ١٣٤ ) [ طه ] : وكل ذلك يؤيد أن الرسول المرسل إلى الأمة هو الرسول الذي جاء بمنهج الله تعالى ؛ فآمن به قوم، وكذب به آخرون، وقضى الله بين المؤمنين والكافرين بأن خذل الكافرين ونصر المؤمنين.
وإن استبطأ الكافرون الخذلان فلسوف يرونه ؛ ولذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم : قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا.. ( ٤٩ ) [ يونس ] : أي : أنكم إن كنتم تسألون محمدا صلى الله عليه وسلم عن الضر والنفع، فهو صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عن أن يملك لهم هم ضرا أو نفعا، وكل هذا الأمر بيد الله تعالى، ولكل أمة أجل( ٢ ) ينزل بالذين كفروا فيها بالعذاب، ويقع فيها القول الفصل.
وقول الحق سبحانه : إلا ما شاء الله لكل أمة أجل.. ( ٤٩ ) [ يونس ] : يفيد أن مشيئة الله هي الفاصلة، ويدل على أن النبي والناس لا يملكون لأنفسهم الضر أو النفع ؛ لأن الإنسان خلق على هيئة القسر( ٣ ) في أمور، وعلى هيئة الاختيار في أمور أخرى، والاختيار هو في الأمور التكليفية مصدقا لقوله سبحانه : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ( ٢٩ ) [ الكهف ] : وأنت حر في أن تطيع أو أن تعصي، وكل ذلك داخل في نطاق اختيارك، وإن صنع الإنسان طاعة، فهو يصنع لنفسه نفعا، وإن صنع معصية، صنع لنفسه ضرا.
إذن : فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع. ومثال ذلك : من ينتحر بأن يشنق نفسه، فهو يأتي لنفسه بالضر، وقد ينقذه أقاربه، وذلك بمشيئة الله سبحانه. إذن : ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان-بمشيئة الله- الضر أو النفع لنفسه، والله سبحانه يبين لنا أن الكل امة أجلا، فلا تحددوا أنتم آجال الأمم ؛ لأن آجالهم-استئصالا، أو عذابا-هي من عند الله سبحانه وتعالى.
والعباد دائما يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه، فالله تعالى منزه أن يكون موظفا عند الخلق، بل هو الخالق الأعلى سبحانه وتعالى.
وهو سبحانه القائل : سأريكم آياتي فلا تستعجلون( ٣٧ ) [ الأنبياء ]، وهو سبحانه القائل : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا( ٤ ) ( ١١ ) [ الإسراء ] :
إذن : فالحق سبحانه يؤخر مراداته رحمة بالخلق، وإذا جاء الأجل فهو لا يتأخر عن ميعاده، ولا يتقدم عن ميعاده.
لذلك يقول الحق سبحانه : إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون( ٤٩ ) [ يونس ]، وقوله سبحانه : ويستقدمون ليست من مدخلية جواب الشرط الذي جاء بعد إذا( ٥ ) جاء أجلهم.. ( ٤٩ ) [ يونس ] : لأن الجواب هو : فلا يستأخرون . فهم لا يستقدمون قبل أن يحين الأجل.
والطول: الفضل والغنى واليسر. قال تعالى:ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم..(٢٥)[النساء].[المعجم الوسيط]..
٢ الأجل- مدة الشيء، وغاية الوقت ووقت الحياة، أو وقت الدين أو وقت العمل. والأجل نفس الوقت الذي أجل له الأمر:فلما قضى موسى الأجل..(٢٩)[القصص] أي: أتم المدة المحددة له، وأجل الشيء: حدد له أجلا مستقبلا:لأي يوم أجلت(١٢)[المرسلات] أي: حد الموت أو الهرم وقوله:ثم قضى أجلا مسمى عنده..(٢)[الأنعام] الأول: هو مدة البقاء في الدنيا، والثاني: هو مدة البقاء في القبور إلى يوم القيامة، أو مدة الحياة الآخرة، وقوله:فإذا بلغن أجلهن..(٢٣٤)[البقرة]. أي: نهاية مدة العدة. والآجل ضد العاجل، والآجلة ضد العاجلة.[القاموس القويم]..
٣ القسر: القهر والإجبار..
٤ عجولا: صيغة مبالغة التعجل في الأمور. واستعجل الأمر طلبه عاجلا سريعا، قال تعالى:ولو يعجل الله للناس استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم..(١١ح[يونس] والعاجل: السريع ضد الآجل، والعاجلة الدنيا، والآجلة الآخرة، يقول الحق:كلا بل تحبون العاجلة(٢٠)[القيامة]. أي: الدنيا، وعجل الأمر طلبه قبل أوانه بدافع الشهوة، وعجل الأمر سبقه. قال الحق سبحانه:إنما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم..(١٥٠)[الأعراف]..
٥ إذا: تأتي لمعنيين شرطية وفجائية. إذا الشرطية: اسم شرط للزمن المستقبل، فتختص بالدخول على الجملة الفعلية، وتعرب إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، قال تعالى:وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم..(٥٤)[الأنعام]، وتدخل أحيانا على الأسماء المرفوعة، فيكون المرفوع بعدها فاعلا لفعل محذوف يفسره الفعل الذي بعده مثل:إذا السماء انشقت(١)[الانشقاق] أي: إذا انشقت السماء، وإذا تكون حرفا للمفاجأة، وتخفض بالجملة الاسمية، قال تعالى:فألقاها فإذا هي حية تسعى(٢٠)[طه]"القاموس القويم"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي