ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

٦- إن لله الحكمة البالغة في إيجاد الليل والنهار، فالله جعل الليل لمنافع عديدة منها السكون (أي الهدوء عن الاضطراب) مع الأزواج والأولاد، وزوال التعب والكلال الناجم عن الانهماك في الأعمال. وجعل النهار لفوائد جليلة منها إبصار موارد العيش، والاهتداء به إلى الحوائج، والأنس مع الناس.
٧- إن في خلق السموات والأرض وفي خلق الليل والنهار لعلامات ودلالات قاطعات واضحات على استحقاق الخالق للعبادة والتفرد بها وحده، ولكن لا يتعظ بهذا إلا القوم الذين يسمعون سماع تدبر واعتبار واتعاظ، وذلك هو جوهر فائدة خلق السمع والبصر.
الإشراك بنسبة الولد لله تعالى
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
الإعراب:
بِهذا متعلق ب سُلْطانٍ أو نعت له، أو ب عِنْدَكُمْ، كأنه قيل: إن عندكم في هذا سلطان.
مَتاعٌ فِي الدُّنْيا خبر مبتدأ محذوف، أي افتراؤهم أو تقلبهم متاع في الدنيا، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم متاع أو تمتع في الدنيا.

صفحة رقم 219

البلاغة:
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع على اختلافهم وجهلهم.
المفردات اللغوية:
قالُوا أي اليهود والنصارى والمشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات الله اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي تبناه، والولد يستعمل مفردا وجمعا سُبْحانَهُ رد الله عليهم بقوله: سُبْحانَهُ أي تنزيها وتقديسا له عن التبني، فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد، والمراد التعجب من كلمتهم الحمقاء هُوَ الْغَنِيُّ عن كل أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، وهو علة لتنزيهه، فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا، وهو تقرير لغناه إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أي ما عندكم من حجة وبرهان على هذا الذي تقولونه أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ توبيخ وتقريع على قولهم.
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة الولد وإضافة الشريك إليه لا يُفْلِحُونَ لا يسعدون، فلا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة مَتاعٌ أي لهم متاع قليل فِي الدُّنْيا يتمتعون به طوال حياتهم ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بالموت فيلقون الشقاء المؤبد ثُمَّ نُذِيقُهُمُ بعد الموت بِما كانُوا يَكْفُرُونَ بسبب كفرهم.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى أفعال المشركين باتخاذ الأوثان والأصنام شفعاء، وردّ عليهم ردا مقنعا، ذكر هنا نوعا آخر من أباطيلهم وهو نسبة الولد إلى الله تعالى، وهذا يشمل المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله، واليهود القائلين بأن عزيزا ابن الله، والنصارى القائلين بأن المسيح عيسى ابن الله.
التفسير والبيان:
موضوع الآيات: الإنكار على المشركين واليهود والنصارى الذي ادعوا أن الله تعالى ولدا.

صفحة رقم 220

والمعنى: وقال المشركون: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.
سُبْحانَهُ تنزه وتقدس الله عن التبني، والمراد التعجب من كلامهم الباطل، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور له الولد، والله لا والد له ولا ولد.
هُوَ الْغَنِيُّ علة لتنزيهه، أي أن الله هو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه، ولا حاجة له للولد، وإن اتخاذ الولد ناشئ عن الحاجة.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ.. فكيف يكون له ولد مما خلق؟ وكل شيء مملوك له وعبد له، وهو خالق السموات والأرضين وكل ما فيهما، لا يشبهه أحد من خلقه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الكل محتاج إليه، وكل ما في السموات وما في الأرض له ملكا وخلقا وعبيدا، وتصريفا، لا يشاركه في ذلك أحد، فكيف بالموجد الخالق واهب الحياة وحوائجها يتخذ ولدا موجودا مخلوقا موهوبا له، محتاجا إليه في كل شيء مادي كالرزق ومعنوي كالإعانة والنصرة والإعزاز؟!.
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أي ليس عندكم دليل على ادعائكم وما تقولونه من الكذب والبهتان.
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي أتقولون على الله قولا لا حقيقة له، وتنسبون إليه تعالى مالا يصح عقلا وواقعا نسبته إليه. وهذا استفهام يراد به التوبيخ والتقريع، أو الإنكار والوعيد الأكيد، والتهديد الشديد. قال البيضاوي: وفي هذا دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ.
ونظير الآية قوله تعالى: وَقالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا

صفحة رقم 221

لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[مريم ١٩/ ٨٨- ٩٥].
ثم توعد الله تعالى الكاذبين عليه المفترين، ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون، مما يدل على أن هذا المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به إليه: قُلْ: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ... أي قل لهم أيها الرسول: إن الذين يختلقون على الله الكذب بنسبة الشريك إليه، أو باتخاذ الولد، لا يفلحون ولا يفوزون أبدا، في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فيستدرجهم ويمتعهم قليلا، وأما في الآخرة فيضطرهم إلى عذاب غليظ شديد، كما قال تعالى:
مَتاعٌ فِي الدُّنْيا أي لهم تمتع في الدنيا قليل لمدة قصيرة ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثم بعد الموت يرجعون إلى ربهم بالبعث يوم القيامة، وما فيه من أهوال الحشر والحساب ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي ثم يلقون الشقاء المؤبد ويعذبون في نار جهنم العذاب الموجع المؤلم الغليظ أي الشديد، بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما ادعوه من الإفك والزور.
وفي هذا دلالة واضحة على الخسارة المحققة للكافرين، فإن ما يتوهمون أنه نجاح في الدنيا بالحصول على المنافع المادية والمعنوية، لا قيمة له أصلا في مقابلة ما فاتهم في الآخرة من ثواب عظيم ونعيم مقيم في جنان الخلد، فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أمرين: الأول- بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى بالأدلة القاهرة، وبانعدام الدليل على صحة هذا القول. والثاني- ظهور أن هذا المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به إليه.

صفحة رقم 222

أما أدلة بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى فهي كما ذكرت الآية الأولى خمسة:
١- سبحانه: وهو تنزيه وتقديس الله تعالى عن الصاحبة والأولاد وعن الشركاء والأنداد، وتعجب شديد من هذه الكلمة الحمقاء لأنه تعالى ليس محتاجا إلى غيره، وإنما هو مصدر قضاء الحوائج.
٢- هو الغني: الله هو الغني غنى مطلقا عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه.
وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب وأم، ومن تقدس عن الوالدين تقدس عن الأولاد. وامتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان. وامتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة، فلا صاحبة له ولا ولد. وامتنع من اتخاذ الولد، لعدم احتياجه إلى إعانته على المصالح الحاصلة والمتوقعة.
وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا، فلا يطرأ عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي وينقرض.
وكل من كان غنيا مطلقا كان واجب الوجود لذاته، فلو كان له ولد، لكان ولده مساويا له، أي يصبح واجب الوجود أيضا، وإذا اتصف بهذه الصفة امتنع تولده من غيره، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا.
فثبت أن كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له «١».
٣- له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فكيف يكون له ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟!.

(١) تفسير الرازي: ١٧/ ١٣٢ وما بعدها.

صفحة رقم 223

٤- إن عندكم من سلطان بهذا، أي ليس عندكم من حجة ولا دليل على صحة قولكم، والدعوى العارية من الدليل باطلة بطلانا مطلقا. «١»
٥- أتقولون على الله مالا تعلمون؟ من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة، والله تعالى لا يجانس شيئا، ولا يشابه شيئا. وهذا بالإضافة إلى كونه تأكيدا لما سبق إنكار شديد ووعيد أكيد وتقريع وتوبيخ على من تجرأ بنسبة الولد إلى الله تعالى.
وأما ظهور كون هذا المذهب افتراء وكذبا على الله، فواضح مترتب على بطلان الادعاء بثبوت الولد لله تعالى.
وقد دل قوله تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ على أن إثبات العقيدة لا سيما فيما يتعلق بإثبات الله الصانع يتطلب دليلا قطعيا يقينا، ولا يقبل فيه التقليد والوراثة ومحاكاة عقائد المسلمين المؤمنين بحق. ودل قوله لا يُفْلِحُونَ على إفلاس الكافر وخسارته المحققة يوم القيامة وعدم نجاته من العذاب.
كذلك دل قوله تعالى: مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ... الآية على أن التمتع في الدنيا قليل وحقير جدا بالنسبة لنعيم الآخرة، وأن مرجع جميع الخلائق إلى الله تعالى، وأن الكفار والمشركين معذبون عذابا شديدا بسبب كفرهم.

(١) تفسير الرازي: ١٧/ ١٣٢ وما بعدها.

صفحة رقم 224

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية