ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات( ١ ) فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع( ٢ ) على قلوب المعتدين( ٧٤ ) :
وكلمة " بعث " هنا تستحق التأمل، فالبعث إنما يكون لشيء كان موجودا ثم انتهى، فيبعثه الله تعالى.
وكلمة " بعثنا " هذه تلفتنا إلى أن الحق سبحانه أول ما خلق الخلق أعطى المنهج لآدم عليه السلام، وأبلغه آدم لأبنائه، وكل طمس أو تغيير من البشر للمنهج( ٣ ) هو إماتة للمنهج.
وحين يرسل الحق سبحانه رسولا، فهو لا ينشىء منهجا، بل يبعث ما كان موجودا، ليذكر الفطرة السليمة.
وهذا هو الفرق بين أثر كلمة " البعث " عن كلمة " الإرسال "، فكلمة البعث تشعرك بوجود شيء، ثم انتهاء الشيء، ثم بعث ذلك الشيء من جديد، ومثله مثل البعث في يوم القيامة، فالبشر كانوا يعيشون وسيظلون في تناسل وحياة وموت إلى يوم البعث، ثم يموت كل الخلق ليبعثوا للحساب.
ولم يكن من المعقول أن يخلق الله سبحانه البشر، ويجعل لهم الخلافة في الأرض، ثم يتركهم دون منهج ؛ وما دامت الغفلة قد طرأت عليهم من بعد آدم-عليه السلام- جاء البعث للمنهج على ألسنة الرسل( ٤ ) المبلغين عن الله تعالى.
وبعد نوح-عليه السلام-بعث الحق سبحانه رسلا، وهنا يقول الله سبحانه وتعالى :
{ ثم بعثنا من بعده.. ( ٧٤ )[ يونس ] : أي : من بعد نوح، فمسألة نوح-عليه السلام-هنا تعني مقدمة الركب الرسالي ؛ لأن نوحا عليه السلام قد قالوا عنه أنه رسول عام للناس جميعا أيضا، مثله مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو لم يبعث رسولا عاما للناس جميعا، بل كان صعوده إلى السفينة هو الذي جعله رسولا لكل الناس ؛ لأن سكان الأرض أيامها كانوا قلة.
والحق سبحانه قد أخذ الكافرين بذنبهم وأنجى المؤمنين من الطوفان، وكان الناس قسمين : مؤمنين، وكافرين، وقد صعد المؤمنون إلى السفينة، وأغرق الحق سبحانه الكافرين.
وهكذا صار نوح-عليه السلام- رسولا عاما بخصوصية من بقوا وهم المرسل إليهم بخصوصية الزمان والمكان( ٥ ).
وهنا يقول الحق سبحانه : ثم بعثنا من بعده رسلا على قومهم.. ( ٧٤ ) }[ يونس ] : فهل قص الله تعالى كل أخبار الرسل عليهم السلام ؟ لا ؛ لأنه سبحانه وتعالى هو القائل : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك.. ( ٧٨ ) [ غافر ].
وجاء الحق عز وجل بقصص أولى العزم منهم( ٦ )، مثلما قال سبحانه : وأرسلناه على مائة ألف أو يزيدون( ٧ )( ١٤٧ ) [ الصافات ].
فمن أرسله الله تعالى إلى من هم أقل من مائة ألف، فقد لا يأتي ذكره، ونحن نعلم أن الرسول إنما كان يأتي للأمة المنعزلة ؛ لأن العالم كان على طريقة الانعزال، فنحن مثلا منذ ألف عام لم نكن نعلم بوجود قارة أمريكا، بل ولم نعلم كل القارات والبلاد إلا بعد المسح الجوي في العصر الحديث، وقد توجد مناطق في العالم نعرفها كصورة ولا نعرفها كواقع.
ونحن نعلم أن ذرية آدم-عليه السلام- كانت تعيش على الأرض، ثم انساحت( ٨ ) في الأرض ؛ لأن الأقوات التي كانت تكفي ذرية آدم على عهده، لم تعد تكفي بعدما اتسعت الذرية، فضاق الرزق في رقعة الأرض التي كانوا عليها، وانساح بعضهم إلى بقية الأرض.
والحق سبحانه هو القائل : ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة( ٩ ).. ( ١٠٠ ) [ النساء ]. وهكذا انتقل بعض من ذرية آدم-عليه السلام- إلى مواقع الغيث( ١٠ )، فالهجرة تكون إلى مواقع المياه ؛ لأنها أصل الحياة.
ويلاحظ مؤرخو الحضارات أن بعض الحضارات نشأت على جوانب الأنهار والوديان، أما البداوة فكانت تتفرق في الصحارى، مثلهم مثل العرب، وكانوا في الأصل يسكنون عند سد مأرب، وبعد أن تهدم السد وأغرق الأرض، خاف الناس من الفيضان ؛ لأن العدوَّين اللذين لم يقدر عليهما البشر هما النار والماء.
وحين رأى الناس اندفاع الماء ذهبوا على الصحارى، وحفروا الآبار التي أخذوا منها الماء على قدر حاجتهم ؛ لأنهم عرفوا أنهم ليسوا في قوة المواجهة مع الماء.
وهكذا صارت الانعزالات بين القبائل العربية، ومثلها كانت في بقية الأرض، ولذلك اختلفت الداءات باختلاف الأمم ؛ ولذلك بعث الحق سبحانه إلى كل أمة نذيرا، وهو سبحانه القائل : وإن من أمة خلا فيها نذير( ١١ ).. ( ٢٤ ) [ فاطر ]. وقص علينا الله سبحانه قصص بعضهم، ولم يقصص قصص البعض الآخر.
يقول الحق سبحانه : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله.. ( ٧٨ ) [ غافر ]، وهنا يقول الحق سبحانه : ثم بعثنا من بعده رسلا على قومهم فجاءوهم بالبينات.. ( ٧٤ ) [ يونس ].
فهل هؤلاء هم الرسل الذين لم يذكرهم الله ؟ لا ؛ لأن الحق سبحانه أرسل بعد ذلك هدا إلى قوم عاد، وصالحا إلى ثمود، وشعيبا إلى مدين، ولم يأت بذكر هؤلاء هنا، بل جاء بعد نوح-عليه السلام-بخبر موسى عليه السلام، وكأنه شاء سبحانه هنا أن يأتي لنا بخبر عيون الرسالات( ١٢ ).
وما دام الحق سبحانه قد أرسل رسلا إلى قوم، فكل قوم كان لهم رسول، وكل رسول بعثه الله تعالى إلى قومه.
وكلمة " قوم " ( ١٣ ) في الآية جمع مضاف، والرسل جمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، مثلما نقول : هيا اركبوا سياراتكم، والخطاب لكم جميعا، ويعني : أن يركب كل واحد منكم سيارته.
وجاء كل رسول إلى قومه بالبينات، أي : بالآيات الواضحات الدالة على صدق بلاغهم عن الله تعالى.
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين( ٧٤ ) : أي : أن الناس جميعهم لو آمنوا لانقطع الموكب الرسالي، فموكب إيمان كل البشر لم يستمر، بل جاءت الغفلة( ١٤ )، وطبع الله تعالى على قلوب المعتدين. والطبع-كما نعلم-هو الختم.
ومعنى ذلك أن القلب المختوم لا يخرج ما بداخله، ولا يدخل إليه ما هو خارجه ؛ فما دام البعض قد عشق الكفر فقد طبع الله سبحانه على هذه القلوب ألا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها الكفر، والطبع هنا منسوب لله تعالى.
وبعض الذين يتلمسون ثغرات في منهج الله تعالى يقولون : إن سبب كفرهم هو أن الله هو الذي طبع على قلوبهم.
ونقول : التفتوا إلى أنه سبحانه بيَّن أنه قد طبع على قلوب المعتدين، فالاعتداء قد وقع منهم أولا، ومعنى الاعتداء أنهم لم ينظروا في آيات الله تعالى، وكفروا بما نزل إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض.
وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه، والحق سبحانه وتعالى هو القائل في الحديث القدسي :" أنا أغنى الشركاء عن الشرك " ( ١٥ ).
ولله المثل الأعلى، فأنت تقول لمن يسدر( ١٦ ) في غيه : ما دمت تعشق ذلك الأمر فاشبع به.
ومثل هؤلاء الذين طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، مثل الذين كذبوا من قبل وكانوا معتدين.

١ بالبينات: أي: بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به.[ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/٤٢٦)]..
٢ الطبع: هو الختم على القلب، ولكنه لا يمحي ولا يفك أبدا. أما الختم فقد يفكن وقد تكون له مدة معلومة، وقد يقبل مع التوبة الخالصة. وبكلا الأمرين ورد القرآن:أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم(١٠٨)[النحل]. وقال سبحانه:ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة..(٧)[البقرة]..
٣ نهج الطرق من باب فتح، نهجا: سلكه. ونهج الطريق له: أوضحه، والنهج والمنهج والمنهاج: الطريق الواضح والمذهب حسيا ومعنويا، قال تعالى:لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا..(٤٨)[المائدة] أي: مذهبا أو طريقة أو دينا، فهو هنا معنوي..
٤ الرسالة: اسم لما يرسل منقولة عن المصدر، ورسالة الرسول ما أمر بتبليغه عن الله للناس، ودعوته الناس إلى ما أوحى إليه. و الرسول: المرسل. والرسول مصدر بمعنى الرسالة، وإذا وصف بالمصدر فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. قال الزمخشري: الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة فجعله القرآن في سورة طه بمعنى الرسل، فلم يكن بد من تثنيته. يقول الحق:إنا رسولا ربك..(٤٧))[طه] أما في آية الشعراء فبمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه إذا وصف به بين المفرد والمثنى، فلهذا قال:إنا رسول رب العالمين(١٦)[الشعراء] وأرسل تأتي لمجرد البعث والإطلاق مثل:فأرسل معي بني إسرائيل..(١٠٥)[ الأعراف](الزمخشري-بتصرف)..
٥ أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهي لعامة الزمان والمكان، وهذا مما خص به الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته، ويدل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت على الناس عامة" أخرجه البخاري في صحيحه(٣٣٥) ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله..
٦ أولو العزم من الرسل هم: محمد صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم، ونوح، وموسى وعيسى عليهم السلام. قال تعالى:فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل..(٣٥)[الأحقاف]..
٧ هو يونس-عليه السلام-أنجاه الله سبحانه وتعالى من بطن الحوت ثم أرسله إلى قومه وهم أهل "نينوى" بجهة الموصل، وكان عددهم مائة ألف أو يزيد على المائة ألف-على اختلاف بين المفسرين.[تفسير الجلالين ص ٣٩٦] و[تفسير ابن كثير(٤/٢٢)]، و[صفوة التفاسير للصابوني(٣/٢٤)].. بتصرف..
٨ انساح: من السياحة وهي الذهاب في الأرض، أو الهجرة من مكان إلى مكان.[لسان العرب: مادة (س ى ح)]..
٩ مراغما كثيرا: المراغمة الهجران والتباعد. والمراد: أنه يجد أماكن كثيرة تصلح لأن يهاجر إليها ليعيش فيها.[اللسان-بتصرف].
وسعة: أي: بعيدا عن تضييق المشركين، وقيل: سعة، أي: كثرة في الرزق.[مختصر تفسير الطبري] بتصرف..

١٠ الغيث: المطر..
١١ إن: نافية بمعنى (ما). أي: ما من أمة إلا أرسل الله إليهم من ينذرهم. خلا: مضى وسبق. قال تعالى:كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم..(٣٠)[الرعد]
نذير: صيغة مبالغة من الإنذار، أي: كثير الإنذار لهم بعذاب الله إذا لم يؤمنوا به. قال تعالى:قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير..(١٩)[المائدة]..

١٢ عيون الرسالات: أكبرها وأهمها ذكرها تفصيلا، وذكر غيرها إجمالا..
١٣ القوم: جماعة الرجال ليس معهم نساء. قال تعالى:لا يسخر قوم من قوم..(١١)[الحجرات]، ثم قال:ولا نساء من نساء..(١١)[الحجرات] فدل على أن المقصود بالقوم هنا الرجال فقط، ويستعمل لفظ القوم فيشمل الأمة كلها رجالا ونساء، مثل قوم نوح وقوم إبراهيم.[القاموس القويم] وانظر[ لسان العرب مادة: قوم]..
١٤ الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ وعدم اليقظة، قال تعالى:لقد كنت في غفلة من هذا..(٢٢)[ق]، أي: غافلا عن إدراك القيامة وغافلا عن أحداث مات بعد الموت.[القاموس القويم]..
١٥ أخرجه مسلم في صحيحه (٣٩٨٥) وابن ماجه في سننه (٤٢٠٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه..
١٦ السادر في غيه: الممعن في ضلاله المستمر عليه لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع.[اللسان مادة: سدر]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير