ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا عن هذا لسحر( ١ ) مبين( ٧٦ ) :
وقد جاءهم الحق على لسان الرسل-عليهم السلام-وعلى كل إنسان أن يفهم أنه حين يستقبل من الرسول رسالة الحق، فليفهم أنها رسالة ليست ذاتية الفكر من الرسول، بل قد أرسله بها الله الخالق الأعلى سبحانه وتعالى.
ولذلك فالمتأبى( ٢ ) على الرسول، لا يتأبَّى على مساو له ؛ لأن الرسول هو مبلغ عن الله تعالى، والله سبحانه هو الذي بعثه، ويجب على الإنسان أن يعرف قدر البلاغ القادم من الله الحق ؛ لأنه سبحانه هو الحق الأعلى، وهو الذي خلق كل شيء بالحق : سماء مخلوقة بالحق، وأرض مخلوقة بالحق، وشمس تجري بالحق، ومطر ينزل بالحق، وكل شيء ثابت ومتحرك بقوانين أرادها الحق سبحانه.
ولو سيطر الإنسان-دون منهج-على قوانين الكائنات لأفسدها ؛ لأن الفساد إنما يأتي مما للإنسان دخل فيه، ويدخل إليه بدون منهج الله.
والفساد إنما يجيء من ناحية اختيار الإنسان للبدائل التي لا يخضع فيها لمنهج الله تعالى.
ولذلك إن أردتم أن تستقيم حياتكم استقامة الكائنات العليا التي لا دخل لكم فيه، فامتثلوا لمنهج الحق وميزانه ؛ لأنه سبحانه هو القائل : والسماء رفعها ووضع الميزان( ٧ ) ألا تطغوا في الميزان( ٣ )( ٨ ) [ الرحمن ] : أي : إن كنتم تريدون أن تعتدل أموركم، وتنضبط انضباط الكائنات الأخرى فلتكن إرادة الاختيار المخلوقة لكم خاضعة لمنهج الله تعالى، وتسير في إطار هذا المنهج الرباني.
وحين نتأمل قول الحق سبحانه : فلما جاءهم الحق من عندنا.. ( ٧٦ ) [ يونس ] :
نجد في هذا القول توجيها إلى أن الحق لم يأت من ذوات الرسل ؛ فهذه الذوات لا دخل لها في الموضوع، وإياك أن تهاجم رسالة حق جاءتك من إنسان لا تحبه، بل ناقش الحق في ذاته، ولا تدخل في متاهة البحث عمن جاء بهذا الحق، وانظر إلى من كفروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم من قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( ٤ ).. ( ٣١ ) [ الزخرف ] : وهم بذلك قد أدخلوا النازل عليه القرآن في الحكم، مع أن العقل كان يقتضي أن ينظروا إلى القرآن( ٥ ) في ذاته، وأن يأخذوا الحكمة من أي وعاء خرجت.
وعليك أنت أن تستفيد من هذا الأمر، وخذ الحكمة من أي قائل لها، ولا تنظر إلى من جاءت الحكمة منه، فإن كنت تكرهه فأنت ترفض أن تأخذ الحكمة منه، وإن كنت تحبه أخذتها. لا، إن عليك أن تأخذ الحكمة ما دامت قد جاءت بالحق ؛ لأنك إن لم تأخذها أضعت نفسك( ٦ ).
والحق هو الشيء الثابت، وإن ظهر في بعض الأحيان أن هناك من طمس الحق، وأن الباطل تغلب عليه، فهذا يعني ظهور المفاسد ؛ فيصرخ الناس طالبين الحق.
وانتشار المفاسد هو الذي يجعل الناس تستدعي الحق، وتتحمس له ؛ لأن الباطل حين يعضُّ الناس، تجدهم يتجهون إلى الحق ليتمسكوا به.
والحق سبحانه هو القائل : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا( ٧ ) رابيا( ٨ ) ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء( ٩ ) وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال( ١٠ ) ( ١٧ ) [ الرعد ] : والحق سبحانه هنا يضرب المثل النازل كسيل من السماء على الجبال، فيأخذ كل واد أسفل الجبال على قدر احتماله، ويرتوي الناس، وترتوي الأرض، لكن السيل في أثناء نزوله على الجبال إنما يحمل بعضا من الطمي، والقش، ويستقر الطمي في أرض الأودية ؛ لتستفيد منه، أما القش والقاذورات فتطفو على سطح الماء، وتسمى تلك الأشياء الطافية زبدا، وساعة تضعها في النار، فهي تصدر أصواتا تسمى ( الطشطشة ).
ومثال ذلك : حين نوقد النار ؛ لنصهر الحديد، نجد الخبث هو الذي يطفو، ويبقى الحديد النقي في القاع.
هذا الزبد الذي يوجد فوق الماء ينزاح على الجوانب، ومثال ذلك : ما نراه على شواطئ البحر حين يقذف الموج بقاذورات على الشاطئ، هذه القاذورات التي ألقتها البواخر، فيلفظها البحر بالموج، وهذا الزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض ؛ لذلك يقول الحق سبحانه : كذلك يضرب الله الحق والباطل.. ( ١٧ ) [ الرعد ] : إذن : فالله سبحانه يترك للباطل مجالا، ولكن لا يسلم له الحق، بل يترك الباطل ؛ ليحفز غيرة الناس على الحق، فإن لم يغاروا على الحق غار هو عليه( ١١ ).
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين( ٧٦ ) [ يونس ] : ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر ؛ ظنوا أن الآيات التي جاءت مع موسى-عليه السلام-هي السحر المبين، أي : السحر الظاهر الواضح.
٢ التأبى: الرفض والكراهية.[اللسان: مادة (أ ب ى)]..
٣ لأن اعتدال الموازين ثبات الحق، وإذ ثبت الحق وأخذ طريقه استقامت موازين الحياة، وعند استقامتها لا نجد محروما ولا مظلوما..
٤ القريتان هما: مكة والطائف. واختلفت الأقوال في تحديد هذين الرجلين، فقيل: إنهما الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي. وقيل: إنهما عمير بن عمرو بن مسعود، وعتبة بن ربيعة، وقيل: ابن عبد ياليل. والمقصود أنه رجل كبير من أي البلدتين كان. انظر ابن كثير (٤/١٢٧)..
٥ وقد نقلت لنا كتب السيرة أن الوليد بن المغيرة قال في وصف القرآن: والله إن لقوه لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته" سيرة ابن هشام (١/٢٧٠) فرغم قوله في القرآن ومدحه فيه، إلا أنه مسايرة لقومه، وحفاظا على مكانته بينهم جحد القرآن واتهم محمدا صلى الله عليه وسلم بالسحر..
٦ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها" أخرجه الترمذي في سننه(٢٦٨٧) وابن ماجه في سننه(٤١٦٩). قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل، يضعف في الحديث من قبل حفظه..
٧ الزبد: هو ما يعلو ماء البحر إذا هاج موجه. وبحر مزبد، أي: مائج يقذف بالزبد. وزبد الماء: طفاوته وقذاه. والجمع: أزباد.[لسان العرب: مادة (ز ب د)]..
٨ رابيا: مرتفعا؛ لأنه يكون أعلى سطح الماء. [اللسان: مادة (ر ب ى)]..
٩ جفاء السيل: هو ما يقذفه من الزبد والوسخ ونحوهما.[اللسان: مادة (ج ف ى)]..
١٠ المثل: الصفة العجيبة يشبه بها غيرها. فالمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص، أنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس. وأمثال القرآن قسمان:
- قسم ظاهر مصرح به، مثل قوله تعالى:مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(١٧)[البقرة].
- قسم كامن، مثل قوله تعالى:والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(٦٧)[الفرقان] وهو يؤدي معنى مثل" خير الأمور أوساطها".[انظر: الإتقان في علوم القرآن٤/٤١]..
١١ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش" أخرجه مسلم في صحيحه(٢٧٦٠)، والبخاري في صحيحه(٤٦٣٤)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي