ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

موسى من مصر وهم ستمائة ألف، وذلك لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر فخرجوا، وقد كان فرعون غافلا عن ذلك، فلما سمع بخروجهم خرج بجنوده في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى: أين المخلص والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق، فقطعه موسى وبنو إسرائيل، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم، وكان معه ثمانية آلاف حصان على لون حصانه سوى سائر الألوان، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى وميكائيل يسوقهم حتى لا يشذ منهم أحد، فدنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون من أمره شيئا فنزل البحر وتبعه جنوده حتى إذا اكتملوا جميعا في البحر وهمّ أولهم بالخروج انطبق البحر عليهم فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً أي مفرطين في محبة قتلهم ومجاوزين الحد حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي بأن الشأن لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) أي الذين أسلموا نفوسهم لله
فقال له جبريل: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) أي آلآن تؤمن وتتوب وقد صنعت التوبة في وقتها، وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، وقد كنت من الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان، ولم يقبل ذلك من فرعون لأنه إنما آمن عند نزول العذاب وإنما أقر بعزة الربوبية ووحدانية الله تعالى ولم يقر بنبوة موسى ولأن ذلك الإقرار كان مبينا على محض التقليد وهو كان دهريا منكرا لوجود الصانع، وإنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها.
وقرئ «ننجيك» بالحاء أي نلقيك بناحية الساحل لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل إذ قالوا: ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم ولما حصل في قلوبهم من الرعب من أجله فأمر البحر فألقاه على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، وقرئ «لمن خلفك» فعلا ماضيا أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم نكالا من الطغيان، وقرئ «لمن خلفك» بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته فإن إفراده تعالى إياك بالإلقاء إلى الساحل لإبطال دعوى ألوهيتك لأن الإله لا يموت وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) أي لا يتفكرون فيها وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي أسكناهم بعد ما أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر بلاد البركة والخصب، وأورثهم الله جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي اللذائذ فَمَا اخْتَلَفُوا في أمر دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي حتى قرءوا التوراة فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ
(٩٣) فيميز المحق من المبطل، والصديق من الزنديق فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ أي القرآن مِنْ رَبِّكَ في خبر الأولين فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) أي

صفحة رقم 495

الشاكين وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) أنفسا وأعمالا وهذا كله خطاب للنبي ظاهر، أو المراد به غيره ممن عنده شك، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه يوجه الخطاب على ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم. وقيل: هذا الخطاب ليس مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم وذلك أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره، الشاكون فيه فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته وهم عبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي ثبت عليهم حكمه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) أبدا إذ لا كذب في كلامه وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ أي ولو جاءتهم الدلالة التي لا حصر لها لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) كدأب آل فرعون وأشباههم فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
قال أبو مالك صاحب ابن عباس: كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر «لولا» فمعناه هلا إلا حرفين فلولا كانت قرية آمنت فمعناه فما كانت قرية آمنت فلولا كان من القرون من قبلكم فمعناه فما كان من القرون وتقدير الآية فما كان أهل قرية آمنوا فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس لما آمنوا أول ما رأوا أمارة العذاب صرفنا عنهم العذاب في الحياة الدنيا وَمَتَّعْناهُمْ بمتاع الدنيا بعد صرف العذاب عنهم إِلى حِينٍ (٩٨) أي إلى وقت انقضاء آجالهم.
روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة وكان يونس قال لهم: إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود هائل فظهر منه دخان شديد، وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة، وسوّد سطوحهم، فخرجوا إلى الصحراء، وفرقوا بين النساء وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات، وكثرت التضرعات، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم، وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة. وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وخرج يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا فقيل له: ارجع إلى قومك. قال:
وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا وكان كل من كذب ولا بينة له قتل فانصرف عنهم مغاضبا فالتقمه الحوت وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أي مجتمعين على الإيمان لا

صفحة رقم 496

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية