ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

فلولا أي فهلا كانت قرية أي أهل قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب ولم يؤخر إلى حالة الغرغرة كما أخر فرعون فنفعها إيمانها أي قبلها الله منها، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " ١رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب " قالوا : يا رسول الله ما الحجاب ؟ قال :" أن تموت النفس وهي مشركة " رواه أحمد والبيهقي في كتاب البعث والنشور إلا قوم يونس استثناء منقطع يعني قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم، وجاز أن تكون الجملة في معنى لتضمن حرف التحضيض معناه فيكون الاستثناء متصلا والمعنى ما آمن احد من أهل قرية عاصية قبل معاينة العذاب الأخروي حالة الغرغرة إلا قوم يونس فإنهم آمنوا قبل حالة الغرغرة وقبل رؤية العذاب الأخروي لما آمنوا في حالة الاختيار قبلنا منهم الإيمان، أخرج بن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : لما آمنوا ودعوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم في الدنيا إلى حين أي وقت معين معلوم عند الله وهو وقت آجالهم، وقال البغوي تأويل هذه الآية إنه لم يكن قرية آمنت عند معاينة العذاب فنفعها إيمانها في حال البأس إلا قوم يونس، فإنهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، ثم قال : واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أولا ؟ فقال : بعضهم رأوا دليل العذاب والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله تعالى : كشفنا عنهم الخزي والكشف يكون بعد الوقوع، وكلام البغوي هذا يفيد أن الإيمان في حالة العذاب الدنيوي لا يقبل ولم يقبل إلا قوم يونس وتسمى تلك الحالة حال البأس والصحيح أن المراد برؤية العذاب الأليم المانع من قبول الإيمان رؤية العذاب الأخروي عند حضور الموت حين لا يرى ملائكة الموت، ألا ترى أن الكفار عذبوا يوم بدر بالعذاب الدنيوي من القتل والأسر وغير ذلك ثم آمن بعض من بقي حيا وكذا حال قوم يونس أنهم آمنوا قبل رؤية العذاب الأخروي فقبل الله تعالى إيمانهم بعدما رأوا العذاب في الدنيا، ثم لما آمنوا كشف الله عنهم الخزي في الحياة الدنيا وأما إيمان فرعون فلم يقبل إما لكونه عند الغرغرة وغما لعدم خلوصه إلى قلبه بسبب دعاء موسى واشدد على قلوبهم وقد كان من عادة فرعون وقومه إنهم كلما وقع عليهم الجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ٢ وكان كلما كشف الله عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذ هم ينكثون ٣ فلعله آمن فرعون حينئذ أيضا بلسانه دون قلبه فلم يقبل منه، وقد ذكرنا مسألة قبول التوبة قبل حالة الغرغرة في سورة النساء في قوله تعالى إنما التوبة على الذين يعملون السوء بجهالة ٤ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت } ٥الآية.
قصة يونس عليه السلام
على ما ذكره البغوي عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ووهب وغيرهم أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فأرسل الله تعالى لهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان فأبوا فقيل له أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث فأخبرهم بذلك، فقالوا إنا لم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما كان جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل، وقال وهب غامت السماء غيما أسود هائلا، يدخن دخانا شديدا فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسموح وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحن بعضها إلى بعض وعلت أصواتها واختلطت بأصواتهم وعجوا أو تضرعوا إلى الله وقالوا آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعدما أظلمهم وذلك يوم عاشوراء، واخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل فذكر نحوه، وفيه فلما عرف الله الصدق في قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى كشف الله عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم ولم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال : تيب على قوم يونس يوم عاشوراء وكان يونس قد خرج ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا، وكان من كذب ولم يكن له بينه قتل فقال : يونس كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم ؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة فعرفوه بغير اجر فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت وقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم فقال : أهل السفينة إن لسفينتنا لشأنا قال يونس : قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة قالوا : ومن هو ؟ قال أنا إقذفوني في البحر قالوا : ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك، فاستهموا فأقرعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه، والحوت عند رجل السفينة فعرفه ينتظر أمر ربه فيه، فقال : يونس إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحوني فيه، فقذفوه فيه فانطلقوا وأخذت الحوت. وروي أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد رآه ينظر إلى في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا فلما رآه يونس زخ نفسه في الماء. وعن ابن عباس انه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروح فإذا سفينة مشحونة فركبها، فلما لججت السفينة تكافت حتى كادوا أن يغرقوا، فقال : الملاحون ههنا رجل عاص أو عبد آبق وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن يغرق واحد خير من ان تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس، فقام يونس وقال أنا الرجل العاصي والعبد الآبق فألقى نفسه في الماء، فابتلعه الحوت ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنه ولم نجعله طعاما لك، وروي عن ابن عباس قال : نودي الحوت إنا لم نجعل يونس لك قوتا وإنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا، وروي أن قام قبل القرعة قال : أنا العبد العاصي الآبق، قالوا من أنت ؟ قال يونس بن متى، فعرفوا فقالوا لا نلقيك يا رسول الله ولكن نساهم، فخرجت القرعة عليه فألقى نفسه في الماء، قال : ابن مسعود ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ٦، فأجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر كالفرخ الممعط، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو الدباء فجعل يستظل تحتها ووكل الله به وعلة يشرب من لبنا فيبست الشجرة فبكى عليها، فأوحى الله تعالى إليه تبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم، ، فخرج يونس وهو بغلام يرعى فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : من قوم يونس، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس، فقال الغلام قد تعلم أنه لم يكن بينة قتلت قال : يونس تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، فقال : له الغلام فمرهما قال : يونس إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له قالتا نعم، فرجع الغلام فقال للملك إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله فقال : إن لي بينة فأرسلوا معي فأتى البقعة والشجرة فقال : أنشدكما بالله هل أشهد كما يونس ؟ قالتا نعم فرجع القوم مذعورين وقالوا للملك شهد له الشجرة والأرض فأخذ الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه وقال : أنت أحق بهذا المكان مني فأقام لهم أمرهم ذلك أربعين سنة.

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات.
وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد باب: ذكر التوبة (٤٢٥٣).

٢ سورة الأعراف، الآية ١٣٤.
٣ سورة الأعراف، الآية: ١٣٥..
٤ سورة النساء، الآية: ١٧.
٥ سورة النساء، الآية ١٨.
٦ سورة الأنبياء، الآية ٨٧.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير