ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

جاءهم، اختلفوا في تصديقه، وكفر به أكثرهم بغياً وحسداً بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره.
قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ في تأويل هذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره من الشاكّين، بدليل قوله في آخر السورة: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي «١»، ومثله قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً «٢» ثم قال تعالى: بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «٣» ولم يقل: بما تعمل، وهذا قول الأكثرين.
والثاني: أن الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو المراد به. ثم في المعنى قولان: أحدهما: أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك، لأنه من المستفيض في لغة العرب أن يقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبِرَّني، ولعبده: إِن كنت عبدي فأطعني، وهذا اختيار الفراء.
(٧٨٧) وقال ابن عباس: لم يكن رسول الله ﷺ في شك، ولا سأل. والثاني: أن تكون «إِن» بمعنى «ما» فالمعنى: ما كنت في شكّ فَسْئَلِ، المعنى: لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاكّ، ولكن لتزداد بصيرة، ذكره الزجاج.
والثالث: أن الخطاب للشاكّين، فالمعنى: إِن كنت أيها الإِنسان في شك مما أُنزل إليك على لسان محمد، فَسَلْ، روي عن ابن قتيبة.
وفي الذي أنزل إِليه قولان: أحدهما: أنه أُنزل إِليه أنه رسول الله. والثاني: أنه مكتوب عندهم في التوراة والإِنجيل.
قوله تعالى: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ وهم اليهود والنصارى. وفي الذين أُمر بسؤالهم منهم قولان: أحدهما: من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. والثاني: أهل الصدق منهم، قاله الضحاك، وهو يرجع إِلى الأول، لأنه لا يَصْدق إلا من آمن.
قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ هذا كلام مستأنف.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي: وجبت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي: قوله. وبماذا حقت الكلمة عليهم؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: باللعنة. والثاني: بنزول العذاب. والثالث: بالسَّخط. والرابع:
بالنقمة. قوله تعالى: وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، قال الأخفش: إِنما أنَّث فعل «كل» لأنه أضافه إلى «آية» وهي مؤنّثة.
[سورة يونس (١٠) : آية ٩٨]
فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)

أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في «المختارة» كما في «الدر» ٣/ ٥٧١. عن ابن عباس به، ولم أقف على إسناده لكن الظاهر أنه لا بأس به حيث اختاره الضياء، وقد ورد مرفوعا صريحا.
وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ١١٧٣، والطبري ١٧٩٠٧ و ١٧٩٠٨ عن قتادة بلاغا وهو ضعيف لإرساله، ومراسيل قتادة واهية، والصواب أنه من كلام قتادة كما في الرواية الأولى، ولا يصح رفعه. والله أعلم.
__________
(١) سورة يونس: ١٠٥.
(٢) سورة الأحزاب: ٢.
(٣) سورة الأحزاب: ٣.

صفحة رقم 350

قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ أي: أهل قرية. وفي «لولا» قولان:
أحدهما: أنه بمعنى لم تكن قرية آمنت فَنَفَعَها إِيمانُها أي قُبِلَ منها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب إِلا لقوم يونس.
والثاني: أنها بمعنى: فهلاّ، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال الزجاج: والمعنى: فهلاّ كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها، إلّا قوم يونس؟ وإِلَّا ها هنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قومُ يونس. قال الفراء: نُصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن «ما» بعد «إِلا» في الجحد يتبع ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إِلا أخوك، فإذا قلت: ما فيها أحد إِلا كلباً أو حماراً، نصبتَ، لانقطاعهم من الجنس، كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعاً. وذكر ابن الأنباري في قوله: «إِلا» قولين آخرين. أحدهما: أنها بمعنى الواو، والمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا، وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراء ينكره.
والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه، تقديره: حتى يروا العذاب الأليم إِلا قوم يونس، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع.
قوله تعالى: كَشَفْنا عَنْهُمْ أي: صرفنا عنهم عَذابَ الْخِزْيِ أي: عذاب الهوان والذل وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي: إِلى حين آجالهم «١».
(الإِشارة إِلى شرح قصتهم) ذكر أهل العلم بالسِّيَر والتفسير أن قوم يونس كانوا ب «نينوى» من أرض الموصل، فأرسل الله عزّ وجلّ إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك الأصنام، فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبِّحهم بعد ثلاث، فلما تغشَّاهم العذاب، قال ابن عباس، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إِلا قدر ثلثي ميل، وقال مقاتل: قدر ميل، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حرَّ العذاب على أكتافهم، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوبُ القبرَ، وقال بعضهم: غامت السماء غيماً أسود يُظهر دخانا شديداً، فغشي مدينتهم، واسودَّت سطوحهم، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح «٢»، وحَثَوْا على رؤوسهم الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، وعجّوا إلى الله تعالى بالتوبة الصادقة، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فاستجاب الله منهم. قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادَّوا المظالم بينهم، حتى ان كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه، فيرده، وقال أبو الجلْد: لما غشيهم العذاب، مشَوا إِلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ما ترى؟ قال: قولوا:
يا حيُّ حين لا حيَّ، يا حيُّ مُحيي الموتى، يا حيُّ لا إِله إِلا أنت، فقالوها، فكُشف العذاب عنهم. قال

(١) قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٢/ ٥٣٣: واختلف المفسرون: هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين، أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا، كما هو مقيد في هذه الآية. وقال القرطبي رحمه الله في «تفسيره» ٨/ ٣٤٢: قيل: إلى أجلهم قاله السّدي وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس.
(٢) المسوح: الثياب الخشنة، وفي «اللسان» المسيح: المنديل الأخشن.

صفحة رقم 351

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية