قوله : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا لولا هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا، كما قال الأخفش والكسائي وغيرهما، ويدل على ذلك ما في مصحف أبيّ وابن مسعود «فهلا قرية »، والمعنى : فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيماناً معتدّاً به، وذلك بأن يكون خالصاً لله قبل معاينة عذابه، ولم يؤخره كما أخره فرعون، والاستثناء بقوله : إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ منقطع، وهو استثناء من القرى لأن المراد أهلها : والمعنى : لكن قوم يونس لمَا آمَنُواْ إيماناً معتدّاً به قبل معاينة العذاب، أو عند أوّل المعاينة قبل حلوله بهم كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي وقد قال بأن هذا الاستثناء منقطع : جماعة من الأئمة منهم : الكسائي، والأخفش، والفراء ؛ وقيل : يجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء، وقرئ بالرفع على البدل.
وقال الزجاج في توجيه الرفع : يكون المعنى : غير قوم يونس، ولكن حملت إلا عليها وتعذر جعل الإعراب عليها، فأعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غيره. قال ابن جرير : خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب. وحكي ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج : إنه لم يقع العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان، وهذا أولى من قول ابن جرير. والمراد بعذاب الخزي الذي كشفه الله عنهم، وهو : العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه. أو الذي قد رأوا علاماته دون عينه وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ أي : بعد كشف العذاب عنهم، متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم، قدره لهم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، في قوله : فَإِن كُنتَ فِي شَكّ الآية، قال : لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسأل. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا أشك ولا أسأل» وهو مرسل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : فَاسْأَلِ الذين يَقْرَأونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ قال : التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمداً من أهل الكتاب وآمنوا به، يقول : سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ قال : حق عليهم سخط الله بما عصوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ يقول : فما كانت قرية آمنت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال : لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس، فاستثنى الله قوم يونس. قال : وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل. فلما فقدوا نبيهم قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي، وفرّقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلّى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : إن يونس دعا لقومه، فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب. فقال : إنه يأتيكم يوم كذا وكذا، ثم خرج عنهم، وكانت الأنبياء إذا وعدت قومها العذاب خرجت، فلما أظلهم العذاب خرجوا، ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وولدها.
وخرجوا يعجون إلى الله، وعلم الله منهم الصدق فتاب عليهم، وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمرّ به رجل فقال : ما فعل قوم يونس ؟ فحدّثه بما صنعوا، فقال : لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وانطلق مغاضبا : يعني مراغماً. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دماً. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، عن ابن عباس، أن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشفه الله عنهم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي الجلد، قال : لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم. فقالوا له : ما ترى ؟ قال : قولوا : يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيى الموتى، ويا حيّ لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف عنهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَيَجْعَلُ الرجس قال : السخط. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال : الرجس : الشيطان، والرجس : العذاب.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني