ﭾﭿﮀﮁﮂ

قوله : يَوْمَ يَكُونُ . في ناصب «يَوْمَ » أوجه :
أحدها : مضمر يدلّ عليه القارعة، أي : تقرعهم يوم يكون، وقيل : تقديره : تأتي القارعة يوم.
الثاني : أنه " اذكر " مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف.
الثالث : أنه «القَارِعَةُ »، قاله ابن١ عطية، وأبو البقاء٢، ومكيٌّ.
قال أبو حيان٣ : فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل »، والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه.
الرابع : أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل : تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً، منافر لنظم الكلامِ.
وقرأ زيد٤ بن علي :«يَوْمُ » بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي : وقتها يوم.
قوله :«كالفَراشِ ». يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي : يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف.
وقال قتادة : الفراش : الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة : فراشة.
وقال الفراءُ : هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال : أطيش من فراشة ؛ وأنشد :[ البسيط ]

٥٢٨٨- فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ٥
وقال آخر :[ الطويل ]
٥٢٨٩- وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ*** عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ٦
وقال آخر :[ الرجز ]
٥٢٩٠- طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ*** أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ٧
والفراشة : الماءُ القليلُ في الإناء، وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم » عن جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :«مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً، فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي »٨.
في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى : منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار ؛ قال جريرٌ :[ الكامل ]
٥٢٩١- إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي٩
والمبثوث : المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ [ القمر : ٧ ].
فأول حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد ؛ لأن لها وجهاً تقصده، والمبثوث : المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الحاقة : ٧ ].
قال ابن عباس :«كالفَرَاشِ المبثُوثِ » كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا١٠.
فإن قيل : كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً ؛ لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث ؟
فالجواب : أما التشبيه بالفراش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً.
١ المحرر الوجيز ٥/٥١٦..
٢ الإملاء ٢/٢٩٣..
٣ البحر المحيط ٨/٥٠٤..
٤ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٠٤، والدر المصون ٦/٥٦٤..
٥ نسب البيت إلى الضحاك بن سعد، ولسعيد بن العاصي. ينظر الحيوان ١/٢٥٧، وديوان المعاني ١/١٩٦، والدرر ٥/٢٩٣، وشرح الأشموني ٢/٣٦٢، وهمع الهوامع ٢/١٠١..
٦ ينظر القرطبي ٢٠/١١٢، والدر المصون ٦/٥٦٤..
٧ ينظر القرطبي ٢٠/١١٢..
٨ أخرجه مسلم (٤/١٧٩٨). وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (١١/٣١٦)، كتاب الرقاق، باب: الانتهاء عن المعاصي حديث (٦٤٨٣)، ومسلم (٤/١٧٨٩)، كتاب الفضائل، باب: شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته رقم (١٨/٢٢٨٣)..
٩ ينظر ديوانه (٣٣٧)، والكشاف ٤/٧٨٩، والبحر ٨/٥٠٤، والدر المصون ٦/٦٥٤..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١١٣)، عن ابن عباس..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية