ﭾﭿﮀﮁﮂ

ثم بيّن شأنها فقال : يومَ يكونُ الناسُ كالفراش المبثوثِ أي : هي يوم، على أنَّ " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل، وإن كان مضارعاً على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب ب " اذكر "، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها : اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلّة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش : صِغار الجراد، ويسمى : غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ [ القمر : ٧ ]، وقال أبو عبيدة : الفراش : طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث : المتفرق. وقال الزجاج : الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذي يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي : شبّه الناسَ عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضاً ؛ لشدة ذلك اليوم، كقوله : كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتِشِرٌ [ القمر : ٧ ] وسمي فراشاً لتفرُّشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار ؛ لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : القارعة هي سطوات تجلِّي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء ؛ لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئاً ووجد الله عنده، يعني : إنَّ الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف. وتكون الجبال- جبال العقل- كالعهن المنفوش، أي : لا تثبت عند سطوع نور التجلِّي ؛ لأنّ نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأمّا مَن ثقُلت موازينه بأن كان حقاً محضا ؛ إذ لا يثقل في الميزان إلاَّ الحق، والحق لا يُصادم باطلاً إلاَّ دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأمّا مَن خفّت موازينه باتباع الهوى فأُمُّه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويُضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. ورُوي في بعض الأثر : إنما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينُهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا، وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلاَّ الحق أن يَثقل، وإنما خفَّتْ موازينُ مَن خفت موازينُهم باتباعهم الباطلِ وخفته في الدنيا، وحُق لميزان لا يُوضع فيه إلاَّ الباطل أن يخف. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير