حتى زرتم المقابر ٢ يعني حتى متم ودفنتم بالمقابر. أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألهاكم التكاثر عن الطاعة حتى زرتم المقابر، حتى يأتيكم الموت ". قال قتادة : كانت اليهود يتفاخرون بكثرتهم، ويقولون نحن أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا، فنزلت هذه الآية فيهم، فعلى هذا حتى للغاية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال : نزلت الآية في قبيلتين من قبائل الأنصار : بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما : فيكم مثل فلان وفلان، وقال آخرون مثل ذلك، تفاخروا ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان ومثل فلان، ويشيرون إلى القبور. وقال الكلبي : نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم، قال كل واحد : نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا : نعد موتانا، حتى زاروا القبور فعدوهم، فقالوا : هذا القبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا، فأنزل الله هذه الآية، وعلى هاتين الروايتين معنى قوله : حتى زرتم المقابر حتى عددتم الأموات ؛ لأجل التكاثر بالأموات، بعد ما استوعبتم عدد الأحياء، فعبر عن انتقالهم إلى ذكر الأموات بزيارة القبور مجازا، أو يحمل على زيارة القبور حقيقة، حيث انطلقوا إلى المقابر بعد القبور، حتى هذه للسببية. عن عبد الله بن الشخير قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية ألهاكم التكاثر ، قال :" يقول ابن آدم : ما لي ما لي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " ١ رواه البغوي، وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وما له وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله " ٢ رواه البخاري، وعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد " ٣ رواه مسلم، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" لينتهين أقوام يفخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه. إن الله قد أذهب عنكم عيية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي الناس، كلهم بنو آدم، وآدم من تراب " ٤ رواه الترمذي وأبو داود. عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع بالصاع لم تملوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، كفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا " رواه أحمد والبيهقي، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي : ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا : فلان ابن فلان خير من فلان ابن فلان، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون " رواه الطبراني في الأوسط.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت (٦٥١٤)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٢٨٦٥)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: فضل الشام واليمن (٣٩٦٤)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في التفاخر بالأحساب (٥١٠٧)..
التفسير المظهري
المظهري