ﮦﮧﮨ

حتى زُرتم المقابر . أي : إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبّر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور، تهكُّماً بهم. وقيل : كانوا يزورون القبور، ويقولون : هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل : المعنى : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متُّم وقُبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت.
قال عبد الله بن الشخِّير : قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم ألهاكم التكاثر فقال :" يقول ابن آدم : ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث : ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تَصَدَّق فأبقى " ١ وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في ( التكاثر ) للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإنَّ ذلك مطلوب ؛ لأنَّ بذلك تُنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى : ألهاكم فإنه خاص بما يُلهي عن ذكر الله، والاستعداد للآخرة، حتى إنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تُذمّ، وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء :" الدنيا ملعونةٌ ملعون ما فيها، إلاّ ذكر الله وما والاه " ٢ قال الإمامُ : ولم يقل : ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقاً ؛ ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ ؛ لأنه يذهب فيه الوهم كُلَّ مذهب، أي : ألهاكُم عن ذكر الله، وعن التفكّر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه.
وقال ابن عطية في قول : حتى زُرتم المقابرَ : عن عمر بن عبد العزيز، قال : الآية تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثُّراً بمَن سلف، وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم :" كنت نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجْراً " ٣ فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بَعْدُ للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفاً، وبنيان النواويس عليها. ه.
وقال ابن عرفة : زيارة المقابر محدودة، أي : كيوم في شهر، مثلاً، وكان بعضهم يقول : إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح ؛ لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يُجدي شيئاً. ه. أي : لا يفوز بعلم الظاهر ؛ لأنَّ علم الباطن يُفتِّر عن الظاهر، فينبغي لمَن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصُحبة أهله، وإلاَّ فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمَن ضعفت همته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجُّه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متّم غافلين، كلاَّ سوف تعلمون عاقبةَ أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلاَّ لو تعلمون علم اليقين ؛ لتوجهتم إليه بكل حال، لَترون الجحيم، أي : نار القطيعة، ثم لَترونها عين اليقين، ثم لتُسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره : شهود المنعِم في النعمة، فقد رأيتُ في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما : ما حقيقة الشكر ؟ فقال أحدهما : ألاَّ يُعصى بنعمه، فقلت : هذا شكر العوام، فما شكر الخواص ؟ فسكتا، فقلت لهما : شكر الخواص : الاستغراق في شهود المنعِم. هـ. وهو كذلك ؛ لأنَّ عدم العصيان بالنِعم يحصل من بعض الأبرار، كالعُبَّاد والزُهَّاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين، وقد تقدّم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.



١ أخرجه مسلم في الزهد حديث ٣..
٢ تقدم الحديث مع تخريجه، انظر الآية ١٧ من سورة عبس..
٣ أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٦٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير