ﮦﮧﮨ

زرتم المقابر دخلتم القبور وصرتم من أهلها، أو تفاخرتم حتى بالموتى.
ألهاكم التكاثر ( ١ ) حتى زرتم المقابر ( ٢ ) كلا سوف تعلمون ( ٣ ) ثم كلا سوف تعلمون ( ٤ ) كلا لو تعلمون علم اليقين ( ٥ ) لترون الجحيم ( ٦ ) ثم لترونها عين اليقين ( ٧ ) تم لتسألن يومئذ عن النعيم ( ٨ ) .
تنعى الآيتان الكريمتان في مفتتح السورة المباركة على الغافلين غفلتهم وشغلهم، ولهوهم ونسيانهم. والمراد : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم، منفقين أعماركم في طلب الدنيا، والاشتياق إليها، والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت، لا هم لكم غيرها عما هو أبلى بكم من السعي لعاقبتكم، والعمل لآخرتكم... وزيارة المقابر عليه- عبارة عن الموت- ١ أو تباروا في الكثرة، وتنافس بعضهم مع بعض، فتباهوا بالأحياء، ثم انتقلوا إلى ذكر من في القبور تفاخرا على الآخرين. في صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ٢ : ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم : مالي مالي ! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت "، وفي رواية أبي هريرة بزيادة :" وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " ؛ وروى البخاري عن ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". [ لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة ؛ وزيارتها من أعظم الدواء٣ للقلب القاسي ؛ لأنها تذكر الموت والآخرة ؛ وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة "، رواه ابن مسعود، أخرجه ابن ماجه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة :" فإنها تذكر الموت "، وفي الترمذي عن بريدة :" فإنها تذكر الآخرة "، قال : هذا حديث حسن صحيح، وفيه عن أبي هريرة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور "... وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور ؛ فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء..
قلت : زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء ؛ أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، وجائز لجميعهن، ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال ؛ ولا يختلف في هذا إن شاء الله ؛ وعلى هذا المعنى يكون قوله :" زوروا القبور " عاما ؛ وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء فلا يحل ولا يجوز ؛ فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس ؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور ؛ والله أعلم ]٤.

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير