ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي١ وسعيد ( ١٠٥ ) :
وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى : لا تكلم نفس... ( ١٠٥ ) [ هود ] : يعني : لا تتكلم أي نفس٢ إلا بإذن الله، وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم إياها الله سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم.
وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان ؛ وشاء سبحانه أن يجعل بعض من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح ؛ فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام ؛ وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة ؛ وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك.
وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم من الله تعالى ؛ وليست مسألة ذاتية فيهم.
وقول الحق سبحانه : يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه.. ( ١٠٥ ) [ هود ] : يبين لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا ؛ لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح.
وقد يسلب الله سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى : لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا ( ٣٨ ) [ النبأ ].
ويقول الحق عز وجل في آية أخرى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ( ٢٧ ) [ الصافات ].
وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه : هذا يوم لا ينطقون ( ٣٥ ) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( ٣٦ ) [ المرسلات ].
ويقول الحق سبحانه أيضا : يوم تأتي كل نفس تجادل٣ عن نفسها.. ( ١١١ ) [ النحل ].
وفي موضع آخر يقول سبحانه : وقفوهم٤ إنهم مسؤولون ( ٢٤ ) [ الصافات ].
وهكذا قد يخيل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها، فهناك آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام.
وأقول : يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع٥، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم بعضهم البعض، وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه : وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا٦ من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا.. ( ٢٩ ) [ فصلت ] :
وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي.
إذن : فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة ؛ فوقت يتكلمون فيه ؛ ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم٧.
ويقسم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، كما في قوله تعالى في آخر الآية : .. فمنهم شقي٨ وسعيد ( ١٠٥ ) [ هود ] : وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين : " شقي " وسعيد " ؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نعت بالشقي ؛ والسعادة ثابتة لمن نعت بالسعيد٩.

١ - شقي شقا وشقاء وشقاوة: ساءت حالته المادية أو المعنوية، فهو شقي، واسم التفضيل: أشقى قال تعالى: قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا..(١٠٦) [المؤمنون] أي: حالة الشقاء والضلال وفساد النفوس. والشقي: المحروم من الخير، قال تعالى: .. ولم أكن بدعائك رب شقيا (٤) [مريم]، أي: لم يسبق لي أن كنت محروما من الخير حين أدعوك. [القاموس القويم: مادة [ش ق ى]]..
٢ - النفس: الروح وذات الشيء وحقيقته مصداقا لقوله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة.. (١٨٩) [الأعراف] هي نفس آدم عليه السلام، وقوله: تعلم ما في نفسي..(١١٦) [المائدة] أي: ما أستره في ضميري، وقوله: وما أبرئ نفسي..(٥٣) [يوسف] أي: ذاتي وقوله: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها..(٧٢) [البقرة] أي: إنسانا والنفس لها حالات، فتكون أمارة، وتكون لوامة، وتكون مطمئنة وراضية، وترتفع درجتها لتكون مرضية قد رضي الله عنها وأرضاها، وقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه..(٢٨) [آل عمران] أي: غضبه [القاموس القويم ص ٢٧٨ جـ٢]..
٣ - جادل: خاصم بالحق، وبالباطل، واستعمل في الباطل في قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا..(١٠٩) [النساء]، واستعمل في الحق في قوله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن.. (١٢٥) [النحل]، وقد نهى الله حجاج بيته عن الجدال بكل أنواعه صيانة لعلاقة المحبة بينهم، قال تعالى: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.. (١٩٧) [البقرة] [القاموس القويم: مادة [ج د ل]]..
٤ - قفوهم: احبسوهم في موقف الحساب. [كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف]..
٥ - أي: أنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم، وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض، فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا، وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا، وخطابه فارغ عن الحجة: ما تكلمت بشيء وما نطقت بشيء، فسمى من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم. قاله القرطبي في تفسيره (٤/ ٣٤١٧]..
٦ - أضل فلان غيره: أوقعه في الضلال، والضلال: النسيان والضياع، قال تعالى: .. وضل عنهم ما كانوا يفترون (٣٠) [يونس] أي: غاب عنهم ما عبدوه. وقال تعالى:}الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا..(١٠٤)} [الكهف] أي: ضاع عملهم ولم يحقق الرجاء منه، أو لم يجدوا ثوابا يوم القيامة [القاموس القويم: مادة [ض ل ل ]] بتصرف..
٧ - يقول الحق سبحانه: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (٢٤) [النور] وقد أورد السيوطي في الدر المنثور [٦/ ١٦٥] عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا، فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار، عزاه لأبي يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه..
٨ - شقى –من باب فرح- شقا وشقاء وشقاوة: ساءت حاله المادية أو المعنوية فهو شقي، واسم التفضيل: أشقى.. وسعد: كفرح وسعد [ككرم] يسعد ويسعد سعدا وسعودا وسعادة نال الخير: .. فمنهم شقي وسعيد (١٠٥) [هود] [القاموس القويم: ١/ ٣٥٣]، [١/٣١٣] بتصرف مختصر..
٩ - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: .. فمنهم شقي وسعيد (١٠٥) [هود] سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شيء قد فرغ وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له) أخرجه الترمذي في سننه [٣١١١] وابن أبي عاصم في السنة [١/٧٤] وأحمد في مسنده [١/٦] قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير