١٠٥ - وقوله تعالى: (يوم يأتي) ويقرأ يَأْتِ (١) بحذف الياء، قال الفراء (٢): كل ياء أو واو يسكنان وما قبل [الواو مضموم وما قبل] (٣) الياء مكسور، فإن الحرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء، وأنشد (٤):
| كفاك كفٌّ لا تُلِيقُ درهمًا | جودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدما |
قال أبو علي الفارسي (٦): قوله: يَوْمَ يَأْتِ، فاعل يأتي لا يخلو من أن يكون اليوم الذي أضيف (٧) إلى يأتي، أو اليوم المتقدم ذكره، فلا يجوز
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٢٧.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤) الشاهد بلا نسبة في: "الإنصاف" ٣٢٩، "اللسان" (ليق) / ٤١١٥، "الأشباه والنظائر" ١/ ٢٣ "أمالي ابن الشجري" ٢/ ٢٢٨، "الخصائص" ٣/ ٩٠، ١٣٣، "معاني القرآن" ٢/ ٢٧، ١١٨، ٣/ ٢٦٠، الطبري ١٢/ ١١٦، وقوله "لا تليق" يقال: ألاقه أي حبسه، يصفه بالجود والغلظة على عدوه.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٧.
(٦) "الحجة" ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٨ بتصرف.
(٧) في (ي): (إليه).
أن يكون فاعله اليوم الذي أضيف إلى يأتي؛ لأن اليوم هو الفاعل، فلا يجوز أن يضاف إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، على أن يكون فاعل السرور اليوم، ويجوز أن يكون جئتك يوم يخرج زيد؛ لأن المعنى فيه: يوم خروج زيد، فتضيف المصدر إلى الفاعل فيتعرف اليوم بفعل مضاف إلى فاعل غير اليوم.
وإذا قلت: (يوم يسرك) يكون معناه وتقديره: (يوم سروره إياك)، ويصير كأنك عرفت اليوم بنفسه؛ لأن الفعل يعرفه الفاعل، واليوم مضاف إلى الفعل المعروف باليوم، وحدُّ جواز هذا أن يكون الظرف مضافا إلى فعل معرف [بفاعل نحو قولك: يوم يخرج زيد، فاليوم معرف] (١) بالفعل، والفعل معرف بالفاعل، وإذا قدرت الظرف فاعلاً يعرف به الفعل، والفعل هو الذي يعرف الظرف، كأنك إنما عرفت الظرف بنفسه؛ لأنك أضفته إلى الفعل المعرف به (٢) فصار هذا نظير قولك: هذا يوم حره، تريد: حر اليوم، ويوم برده، فلا يصح أن يعرف اليوم بشيء مضاف إلى اليوم، وليس هذا (٣) مثل سيد قومه، فتضيفه إلى ما هو مضاف إليه؛ لأن قومه وما أشبه ذلك شيء معروف يقصد إليه، وقولك يوم سروره زيدًا ويوم يسرك إنما هو مضاف إلى فعل، وإنما يقوم الفعل بفاعله، ليس أن الفعل شيء منفصل يقصد إليه في نفسه، و (واحد أمه)، و (عبد بطنه)، مضافان إلى الأم والبطن، وكل واحد منهما ظاهر يقوم بنفسه، وكذلك لا يجوز أن [تضيف الظرف إلى جملة معرف
(٢) ساقط من (ي).
(٣) ساقط من (ي).
يضمره (١) وإن كانت ابتداءً وخبرًا؛ لا يجوز أن] (٢) تقول: (آتيك يومَ ضحوتُه باردة)، ولا (ليلةَ أولها مطير)، فإن نوّنت في هذا وفي الأول حتى يخرج من حد (٣) الإضافة جاز، فقلت: آتيك يومًا ضحوته باردة، وآتيك يومًا يسرك. وهذا قول أبي عثمان، فإذا لم يجز أن يكون (يوم) في قوله يَوْمَ يَأْتِ [فاعل يأتي] (٤) ثبت أن في (يأتي) ضمير اليوم المتقدم ذكره في قوله: لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وتقديره: يوم يأتي هذا اليوم الذي تقدم ذكره لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، واليوم في قوله: يَوْمَ يَأْتِ هو المراد به الحين والبرهة، ليس (٥) وضح النهار.
فأما قوله: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يحتمل ضربين:
أحدهما: أن يكون حالاً من الذكر الذي في يَأْتِ، ونقدر فيه ضميرًا يرجع إلى ذي الحال، وتقديره: يوم يأتي ذلك اليوم غير متكلم فيه نفس، ومن قدَّر هذا التقدير كان أجدر بأن يحذف الياء من يَأْتِ؛ لأنه كلام مستقل (٦) فيشبه (٧) -من أجل ذلك- الفواصل وإن لم يكن فاصلة، كما أن حذف الياء من قوله: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف: ٦٤] لما كان كلامًا
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٣) في (ي): (وجه).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) في (في): (بإضافة على).
(٦) في (ب): (مستقبل).
(٧) ساقط من (ي).
تامًّا أشبه الفواصل فحسن الحذف له.
الضرب الثاني: أن يكون قوله: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ صفة اليوم المضاف إلى يَأْتِ؛ لأن اليوم في (يوم يأتي) مضاف إلى الفعل، والفعل نكرة، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يوسف به اليوم، كما يوسف النكرة بالجملة من الفعل والفاعل، والمعنى: لا تكلم فيه نفس، فحذف فيه أو حذف الحرف وأوصل الفعل إلى المفعول به، ثم حذف الضمير من الفعل الذي هو صفته، كما يحذف من الصلة، ومثل ذلك قولهم: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت.
وعلى هذا أيضًا لا يمتنع حذف الياء من في يَأْتِ؛ لأن الصفة قد يستغني عنها الموصوف كما أن الحال كذلك، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيصير لذلك أشبه بغير الكلام التام، فأما إثبات الياء في الوصل والوقف وإسقاطها؛ فمن أثبتها في الوصل فهو القياس البين؛ لأنه لا شيء يوجب حذف الياء إذا وصل، وأما من حذف في الوقف فلأنها -وإن لم تكن فاصلة- أمكن أن تشبه بالفاصلة قياسا عليها؛ لأن هذه الياء تشبه الحركة؛ لأن الجازم يسقطها كما يسقط الحركة، فكما أن الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما أشبهها، ومن وقف بالياء فهو حسن؛ لأنها أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي إذا حذفت الحركة للوقف أن تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ويدل على أن الياء (١) تنزل عندهم منزلة سائر الحروف تقديرُهم الحركة فيها في نحو (٢):
(٢) صدر بيت لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: =
ألم يأتيك والأنباء (١) تنمي
فكأنهم قدروا أنها (٢) كانت متحركة ثم سكنت للجزم كسائر الحروف، وتحريكهم لها في الشعر يدل أيضًا على (٣) أنها عندهم بمنزلة سائر الحروف، وذلك نحو قول الشاعر (٤):
فيومًا يوافين الهوى غير ماضِيٍ
وأما من حذف في الوصل والوقف، فلأنه جعلها بمنزلة ما استعمل محذوفًا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف، نحو ولم يكُ ولا أدر (٥).
قالها في إبل للربيع بن زياد العبسي، استاقها قيس وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه.
انظر: "شعره" ٢٩، "الكتاب" ٢/ ٣٢، "حاشية النوادر" ص ٥٢٣، "سر صناعة الإعراب" ٧٨، ٦٣١، "الإيضاح" للفارسي ص ٢٣٣، "الإنصاف" ص ٢٢، "الدر المصون" ٦/ ٣٩٧، "الخصائص" ١/ ٣٣٣، "شرح شواهد الشافية" ص ٤٨، "الحجة" ١/ ٩٣.
(١) في (ب): (ألم تأتيك الأنباء).
(٢) ساقط من (ي).
(٣) ساقط من (ي).
(٤) صدر بيت لجرير من قصيدة هجا بها الأخطل، وعجزه:
ويومًا ترى منهن غُولًا تَغَوَّلُ
ويُروى (ماضيًا) مكان ماض أي من غير ميل منهن إليَّ، وتغول: تتلون. انظر: "الديون" ٤٥٥، "النوادر" ٢٠٣، "الحجة" ١/ ٣٢٥، "الكتاب" ٣/ ٣١٤، "المقتضب" ١/ ١٤٤، "خزانة الأدب" ٨/ ٣٥٨، "الخصائص" ٣/ ١٥٩، "شرح المفصل" ١٠/ ١٠١، "اللسان" (غو) ٦/ ٣٣١٨، (مضى) ٧/ ٤٢٢٢.
(٥) نهاية النقل عن "الحجة" ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٨ بتصرف.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي